السيد الطباطبائي

291

الإنسان والعقيدة

القضاء قضاءان : حقوقي وعلمي ليس على القاضي في الحقوق إلّا أن يعرف ماهيّة الموضوع الذي وقع فيه الشجار والخلاف « وهي قضيّة جزئيّة حيّة ، من شأنها أن يتصوّرها كلّ من اطّلع على أطرافها وجوانبها » ، ثمّ يقضي بما يتلائم مع القوانين الموضوعة والمتّبعة ، وليس عليه إلّا أن يتّبع العدل في قضائه ، ولا يفرق بين ما يراه وبين ما يقضي به . . وهو إنّما يقضي في أمر اعتباري وضعي ، ويتبع في قضائه جريان الأحداث في الخارج . . وأمّا القاضي في مسألة علميّة ، فإنّه أشدّ محنة ، وأعظم بلاءا ، ولا سيّما إذا كانت تلك المسألة فلسفيّة . . فمن جهة يجذبه الحسّ إلى المحسوسات الجزئيّة المتشخّصة في الخارج ، ولا يدعه يتوجّه إلى الكلّيات والأمور الخارجة عن حومة المادة والطبيعة ، والتي لا تنفع فيها مقاييس المادة ، ولا تجدي معها الشواهد الطبيعيّة الجزئيّة ، بل وتعجز في التعبير عنها اللغات المبيّنة للمقاصد ، والكاشفة عمّا في الضمائر ، حيث إنّ الألفاظ إنّما وضعت لتعبّر عن حوائج ماديّة جزئيّة ، وليست إلّا قوالب لها ، وإذا ما استعملت في الفلسفة ، فإنّما يكون ذلك بعد تجريدها عن غواشي المادة ، واستبعاد المشخّصات التي توجب جزئيّتها ، وعليه فكلّ مكان تستعمل فيه الألفاظ يكون معرضا للخطأ والالتباس ، ومن ثمّ للزلل والخطل في المعارف التي تؤدّيها