السيد الطباطبائي
288
الإنسان والعقيدة
الإنسانيّة ؛ ليعالج جميع شؤونها الخلقيّة والعمليّة . . فقد جعل المعارف الإلهيّة أساسا وقاعدة للأخلاق الفاضلة ، والصفات الجميلة ، ثمّ جعل الأخلاق الفاضلة والصفات الجميلة أساسا للتشريع . فمن تعاليم الإسلام [ إذن ] تنبثق الصفات الفاضلة ، وتتميّز بها عن الصفات الرذيلة ، فيدعو إلى تلك ، ويزجر عن هذه ، ثمّ يجعل الصفات الفاضلة هذه أساسا لتشريع القوانين والأنظمة ، التي تنظّم أفعال الإنسان وسلوكه ، وتضمن له الحياة الفاضلة السعيدة بمعناها الشامل . وبذلك يصير « التوحيد » وحده هو الأصل الحاكم في جميع شؤون عالم الوجود بحسب تعاليم الإسلام ، حيث إنّ الإسلام يربط كلّ شيء - كما قلنا - باللاهوت ، وينهي كلّ شيء إليه في مختلف مجالات الحياة ، وجميع أحوالها وشؤونها . وهكذا . . يشاهد الباحث عن كثب أنّ كلّ قضيّة ، علميّة كانت أو عمليّة ، في الإسلام ، هي : « التوحيد » قد تلبّس بلباسها ، وظهر في زيّها ، وتنزّل في منزلها ، فبالتحليل ترجع كلّ مسألة وقضيّة إلى « التوحيد » ، وبالتركيب يصيران شيئا واحدا ، لا مجال للتجزئة ولا للتفريق بينهما . . وهذا معنى ما قدّمناه من أنّ الإسلام قد انتهى بالفلسفة الإلهيّة إلى أوج كمالها المتصوّر ؛ إذ أنّ ما أتى به من شأنه أن يسري حكم اللاهوت إلى كلّ علم وعمل ، و « ليس وراء عبادان قرية » . . وهذا في الحقيقة قوّة هائلة جهّز اللّه بها دينه القويم ، فبها أقام صرحه ، وشيّد بنيانه ، فإنّ العلم لا يحفظ ، ولا يتربّى ، ولا يتكامل إلّا مع العمل ، فما لم يرتبط العلم بالعمل ، فلا مناص لبقائه ، ولا كافل لنمائه . . على أنّه قد تقرّر في الأبحاث النفسيّة أنّ الإنسان - وهو موجود فعّال ، بقاؤه وكماله مرهونان بفعله - بحسب صنعه وتكوينه قد صنع وكوّن بحيث يهتدي إلى أفعاله عن طريق شعوره بها ، وحاجته إليها ،