السيد الطباطبائي

285

الإنسان والعقيدة

المسلمين ، من أنّ الدين يقابل الفلسفة ، وأنّهما معا يقابلان العلم المعتمد على الحسّ والتجربة . . وأنّ النوع الإنساني قد مرّ في أربعة أطوار : طور الأساطير ، وطور الدين ، وطور الفلسفة ، وطور العلم . لا قيمة لأقاويلهم ، فإنّهم أناس قد استحوذت المادة على عقولهم ، واستأثرت الطبيعة بكلّ تفكيرهم ، فلم يرفعوا أنظارهم عن الأبحاث الماديّة ، ولم يخلعوا عن أنفسهم جلباب الطبيعة ، حتّى ولو سويعة واحدة . . ثمّ حكموا من خلال المادة والطبيعة على ما وراءها ، ونفوا كلّ ما لم يتكرّر على حواسّهم ؛ فزعموا أنّ الدين تقليد في أمر منظوم ، وأنّ الفلسفة استدلال على أمر موهوم ، فلا في قضائهم عدلوا ، ولا في مزعمتهم أصابوا . . ودع عنك أيضا ما نهج به جمع من الباحثين المسلمين . . من أنّ الدين يرفض الفلسفة ، ويبطلها ، ولا ينسجم معها ، وأنّ الموقف الديني هو غير الموقف الفلسفي ، وهدف هذا غير هدف ذاك . . . فهؤلاء يفسّرون الفلسفة على أنّها مجموعة منظّمة من أقاويل رجال ، من يونانيّين وغير يونانيّين ، وفيهم الملحد والمتّقي ، والكافر والمؤمن ، ومنكر الصانع ومثبته ، والمخطئ والمصيب . . لا يراد من التعرّض بالبحث لهذه الأقاويل إلّا التشبّه بهم ، ولا من التعلّق بها إلّا تقليد الجمهور من مشاهيرهم . ولو كانت الفلسفة هي التي فسّروا ، وحقيقتها هي التي ذكروا . . لكان الأجدر بها أن لا تكون ، ولكان الأحرى بكلّ من يحترم نفسه أن لا يتعرّض لها ، ولا يمارسها ، وأن ينكرها الدين ، ويتبرّأ منها ، براءة الذئب من دم يوسف . ولكنّ الحقيقة هي - تماما - خلاف ما زعموا ، وأمّا ما ذكروه فهو طريقة تتبع في بعض الصناعات ، التي يطمئنّ فيها إلى إجماع الرجال وشهرتهم ، وتستقرأ المذاهب فيها وتستقصى ليكون ذلك دليلا على التلازم بين مسائل متشتّتة ، لا دليل