السيد الطباطبائي

283

الإنسان والعقيدة

الدين والفلسفة حقّا إنّه لظلم عظيم أن يفرّق بين الدين الإلهي وبين الفلسفة الإلهيّة . . فهل الدين - على اختلاف الأديان سعة وضيقا - إلّا مجموعة معارف اعتقاديّة إلهيّة ، يعبّر عنها بالأصول ، وأخرى فقهيّة وأخلاقيّة ، يعبّر عنها بالفروع ؟ وهل الأنبياء إلّا رجال يهدون - بأمر اللّه - المجتمع البشري إلى الحياة الفضلى والسعادة الحقيقيّة ؟ وهل السعادة البشريّة الحقيقيّة إلّا أن ينال الإنسان حقائق المعارف ، بما منحه اللّه من جهاز دقيق لفهمها وإدراكها ، جهاز مرتبط بأصل خلقة الإنسان وهو جزء من وجوده . وأن يسير - بعد نيله تلكم المعارف - في حياته العمليّة على طريق العدل والاستقامة ؟ . . وهل له مناص في تحصيل تلك المعارف عن الالتجاء إلى الاستدلال وإقامة البرهان ؟ وإذا كان الحال على ما تقدّم . . فكيف يسوغ للأنبياء أن يدعوا النّاس إلى السمع والقبول بلا بيّنة ، وأن يطلبوا منهم السير على غير طريق الاستدلال وإقامة البرهان ، مع أنّ ذلك مخالف لجبلتهم ، ومناف لما جهّزوا به في أصل خلقتهم وبنية وجودهم . والأنبياء - وإن كانوا قد استمدّوا معارفهم ومبادئ دعوتهم من المبدأ الغيبي ، وارتضعوا ذلك من ثدي الوحي . . ، إلّا أنّ الحقيقة هي : أنّه لا فرق بين مسلك الأنبياء