السيد الطباطبائي
258
الإنسان والعقيدة
ثمّ لو دمت على هذه التخلية أيّاما ، ترى بعد برهة أنّ الطوارق والخواطر تقلّ فتقلّ ، ويتنوّر الخيال ، حتّى كأنّك ترى ما يخطر في قلبك من هذه الخواطر ببصر الحسّ ، ثمّ تقلّ فتقلّ كلّ يوم تدرّجا ، حتّى لا يبقى مع صورة « أ » صورة أخرى البتّة . هذا ، ومن ذلك تعرف صحّة ما قلنا إنّ الاشتغال بالمشاغل الدنيويّة توجب نسيانك نفسك ، والغفلة عمّا وراء هذه النشأة ، وأنّ التخلّص نحو الباطن ، يحصل بالإعراض عن الظاهر ، والإقبال إلى ما ورائه . فلو رمت نحو مشاهدة نفسك بمثل الطريق المذكور مثلا ، وجدت أضعاف ما ذكرناه من الخواطر المانعة ، وهي صور المشتهيات والمقاصد الدنيويّة . فالطريق المتعيّن للمعرفة أن تصفّي قلبك عن الدنيا ، وكلّ حجاب غير اللّه سبحانه . فكلّما ذكر من الأسباب ، من المراقبة والخلوة وغيرهما ، إنّما هو لتحصيل هذه الحالة القلبيّة ، ثمّ تتوجّه بقلبك نحو الحقّ سبحانه ، وتشرف عليه عزّ اسمه . وهذا هو الذكر ، وهو الإشراف على الحقّ سبحانه ، وهو آخر المفاتيح ، واللّه الهادي . واعلم أنّ الذّكر بهذا المعنى كثير الورود في الكتاب والسّنّة . قال سبحانه : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا « 1 » . وفي قوله سبحانه : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً « 2 » ، فمن المعلوم أنّ الشدّة لا يوصف به الذكر اللفظي . وقال سبحانه : وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ « 3 » .
--> ( 1 ) سورة الكهف : الآية 28 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 200 . ( 3 ) سورة غافر : الآية 13 .