السيد الطباطبائي
255
الإنسان والعقيدة
وإذا سمعه يقول : أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ « 1 » ، و إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ « 2 » ، و وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 3 » ، و هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ « 4 » ، لم يبق شيء إلّا وتعلّق قلبه به ، واعتكفت نفسه عليه ، لا للعب يلعبه ، وما للمحبّ الحيران واللعب ؟ بل لأنّ ربّه سبحانه قائم على أعمال كلّ شيء ، قريب منه ومعه ، شهيد عليه ، محيط به ، فهو يسعى نحوه سبحانه ، ويقصده لكن بالأشياء لا وحده . وإذا سمعه سبحانه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ « 5 » ، تفطن أن تعلّقه بنفسه ليس كتعلّقه بغيرها من الأشياء ، وأنّه الاهتداء إلى مطلوبه البتّة . وهو سبحانه جعله ( أي المحبّ ) سالكا إليه ؛ إذ قال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ « 6 » ، وإذا سمعه سبحانه يقول : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً « 7 » ، ويقول : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ « 8 » ، ويقول : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ « 9 » ، والنسيان ، هو الإعراض عن الذّكر ، عرف أنّ نسيان نفسه ، والتعلّق بالأشياء ، علامة نسيان ربّه .
--> ( 1 و 2 ) سورة فصّلت : الآيتان 53 و 54 . ( 3 ) سورة الحديد : الآية 4 . ( 4 ) سورة الرعد : الآية 33 . ( 5 ) سورة المائدة : الآية 105 . ( 6 ) سورة الانشقاق : الآية 6 . ( 7 ) سورة الجنّ : الآية 17 . ( 8 ) سورة الزّخرف : الآيتان 36 و 37 . ( 9 ) سورة الحشر : الآية 19 .