السيد الطباطبائي

247

الإنسان والعقيدة

« فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف ، فهو ضالّ عن المعرفة . . . » ، تفريع لقوله عليه السّلام السابق : « إنّما عرف اللّه من عرفه باللّه . . . » . وقوله : « لا يدرك مخلوق شيئا إلّا باللّه » بمنزلة البرهان عليه ، بأنّ كلّ شيء معروف باللّه الذي هو نور السماوات والأرض ، فكيف يعرف بغيره ؟ لأنّه مقوّم كلّ ذات غير متقوّم بالذات . والعلم بغير المستقلّ ذاتا بعد العلم بالمستقلّ الذي يقوّمه ؛ لأنّ وقوع العلم يقتضي استقلالا في المعلوم بالضرورة ، فالعلم بغير المستقلّ إنّما هو يتبع المستقلّ الذي هو معه . هذا ، وحيث أوهم ذلك حلولا أو اتّحادا تعالى اللّه عن ذلك ، أعقب عليه السّلام ذلك بقوله : « واللّه خلوّ من خلقه ، وخلقه خلوّ منه . . . » . والقول يكون إدراك المخلوق كلّ شيء باللّه ، لا ينافي صدر الرواية من نفي استلزام العلم بالشيء علما بغيره ؛ لأنّ العلم الذي في صدر الرواية علم حصولي ، والذي في الدليل حضوري . هذا ، والروايات في نفي أن تكون المعرفة الفكريّة معرفة بالحقيقة كثيرة جدّا . فقد تحصّل أنّ شيئا من هذه الطرق ، غير طريق معرفة النفس ، لا يوجب معرفة بالحقيقة . وأمّا طريق معرفة النفس فهو المنتج لذلك ، وهو أن يوجّه الإنسان وجهه للحقّ سبحانه ، وينقطع عن كلّ صارف شاغل عن نفسه إلى نفسه ، حتّى يشاهد نفسه كما هي ، وهي محتاجة بذاتها إلى الحقّ سبحانه . وما هذا شأنه لا ينفكّ مشاهدته عن مشاهدة مقوّمه ، كما عرفت . فإذا شاهد الحقّ سبحانه عرفه معرفة ضروريّة ، ثمّ عرف نفسه به حقيقة ؛ لكونها قائمة الذات به سبحانه ، ثمّ يعرف كلّ شيء به تعالى . وإلى هذا يشير ما في تحف العقول ، عن الصادق عليه السّلام في حديث : « من زعم أنّه