السيد الطباطبائي

220

الإنسان والعقيدة

ثمّ هي تسلك بالنسبة إلى الطبقة الثانية بما سلكته هي بالنسبة إلى الثالثة مع زيادات خاصّة من الأحكام الخلقيّة وغيرها . وعمدة الفرق بين الطائفتين في قوّة العلم وتأثيره ، وضعف ذلك ، كما عرفت . ثمّ تسلك بالنسبة إلى الطبقة الأولى بأدقّ من مسلكه في الثانية والثالثة ، فربّ مباح أو مستحبّ أو مكروه بالنسبة إليها ، هو واجب أو محرّم بالنسبة إلى الطبقة الأولى ، فحسنات الأبرار ، سيّئات المقرّبين ، إلّا أنّ ذلك كذلك عندهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم . وتخصّها أيضا بأمور وأحكام غير موجودة في الثانية والثالثة ؛ ولا غير هذه الطبقة تكاد تفهم شيئا من تلك المختصّات ، ولا يهتدي إلى طريق تعليمها . وذلك كلّه لما أنّ ميز طبقتهم وأساسها المحبّة الإلهيّة دون محبّة النفس . فالفرق بينها وبين الآخرين في نحو العلم والإدراك ، دون قوّته وضعفه وتأثيره وعدمه . ولئن شئت أن تعقل شيئا من ذلك في الجملة ، فعليك بالتأمّل التامّ في أطوار الاتّحاد . فللمعاشرة أحكام ، وللصداقة أحكام ، وللخلّة أحكام ، ولكلّ من المحبّة والعشق والوجد والوله وما يسمّى فناء ، أحكام أخر ، وكلّ حكم مختصّ بمرتبة نفسه لا يتعدّاها إلى غيرها أبدا . والمحصّل أنّ الشرائع الإلهيّة ، وخاصّة الشريعة الإسلاميّة ، تروم في جميع جزئيّات الأمور وكلّياتها ، نحو غرضها المذكور ، وهو توجيه وجه الإنسان للّه ، وصرفه إليه سبحانه . وذلك بتكوين الملكات والأحوال المناسبة لذلك ، بواسطة الدعوة إلى الاعتقادات الحقّة ، والأعمال المولدة للحالات الزاكية النفسانيّة الموصلة إلى الملكات المقدّسة . ويظهر ذلك تمام الظهور لمن تتبّع تضاعيف الكتاب والسّنّة ، فمن الواضح منها