السيد الطباطبائي

214

الإنسان والعقيدة

فالاستلذاذ بها ، وكذلك نفس الاستلذاذ والمستلذّ ، فالجميع واقف بين ألوف وألوف من المنافيات ، لو مال إلى واحد منها بطل وفسد الأمر . ثمّ إنّا بعد التأمّل الوافي نجد أنّ جميع هذه النواقص والمنافيات راجعة إلى المادّة ، إمّا ابتداء ، أو بالواسطة ، كالنواقص الخلقيّة والوهميّة ، فحيث لا مادة ، لا شيء من النواقص الراجعة إليها . فهي مقصورة على هذه النشأة ، فالنشأة التي فوق هذه النشأة معرّاة من هذه النواقص ، مبرّاة من هذه العيوب ، وإنّما هي صور بلا مواد ، ولذائذ مثاليّة بلا مناف البتّة . ومرادنا من المادّة هي الجوهر الغير المحسوس الذي يقبل الانفعال ، دون الجسميّة التي هي صورة غير المادة ، فافهم ذلك . ثمّ إذا تأمّلنا ثانيا ، وجدنا الحدود المثاليّة في أنفسها نواقص ، وإنّ للمحدود في نفسه مرتبة خالية عن الحدّ ؛ إذ هو خارج عن ذاته على ما برهن عليه في محلّه . فهناك نشأة أخرى ، يوجد فيها نفس هذه اللذائذ والكمالات بنحو بحت ، أي خالية عن الحدود ، فإنّ لذائذ الأكل والشرب والنكاح والسمع والبصر - مثلا - في مرحلة المثال موجودة أيضا ، ولكن لكلّ واحد منها محلّ لا يتعدّاه . فلا تجد لذّة النكاح - مثلا - من السمع والأكل ، ولاكمال الأكل من الشرب ، وكذلك ما في هذا الفرد من الأكل في الفرد الآخر منه ، وعلى هذا القياس . وليس ذلك كلّه إلّا من جهة الحدود الوجوديّة بحسب ظرف الوجود ، فالنشأة التي فوق نشأة المثال الساقطة فيها الحدود ، يوجد فيها جميع هذه الكمالات واللذائذ بنحو الوحدة ، والجمع والكلّية والإرسال . هذا ، وهذه كلّها معان متفرّعة عن أصول مبرهن عليها في محلّها مسلّمة عند أهلها .