السيد الطباطبائي

207

الإنسان والعقيدة

باطنا وهو المطلوب . تتمّة : فيما يدلّ على ذلك ، من الكتاب والسّنّة نقول : إنّ من المسلّم عند عامّة من يرى الرجوع إلى الكتاب والسّنّة معا ، أنّ هناك معارف وأسرارا وعلوما خفيّة مخفيّة عنّا ، لا يعلمها إلّا اللّه عزّ اسمه ، أو من شاء وارتضى . والكتاب الإلهي مشحون بذلك ، وكفى فيه قوله سبحانه : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 1 » . أي إنّ الحياة الحقيقيّة الصادقة هي الحياة الآخرة ، بدليل عدّه سبحانه الحياة الدنيا لعبا ولهوا ، وقصره الحياة في الحياة الآخرة بقصر الأفراد ، أو على طريق قصر القلب كما يشهد به قوله سبحانه : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ « 2 » . وهذه الآية تشعر بأنّ للحياة الدنيا شيئا آخر غير ظاهره ، وأنّه هي الآخرة لمكان الغفلة ، كما يستفاد من كلامك تقول لصاحبك : إنّك أخذت بظاهر كلامي وغفلت عن شيء آخر . دلّ قولك هذا على أنّ المغفول عنه باطن الكلام ، وهو الشيء الآخر . ويدلّ على هذا قوله سبحانه : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى « 3 » . حيث يتحصّل منه أنّ ذكر اللّه سبحانه هو السبيل إليه ، والتولّي عنه ضلال عن سبيله ، وأنّ ذكره سبحانه لا يحصل إلّا بالإعراض عن الحياة الدنيا ، وأنّ المعرض

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 64 . ( 2 ) سورة الروم : الآية 7 . ( 3 ) سورة النجم : الآيتان 29 و 30 .