السيد الطباطبائي

178

الإنسان والعقيدة

وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ « 1 » ، فقد قضوا بخسرانهم . وهم أيضا المعنيّون بقوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 2 » . فزعمهم ذلك لما قيدوا في الدنيا فلم يتّسع أنظارهم بأزيد من أن يدركوا ساعة من دهرهم واقعون فيها ففاتهم ما كانوا عليه قبل النزول في الدنيا ، وما سيكونون عليه بعد الارتحال من الدنيا ، ووقعوا فيها بحسب سيطرة الزمان لا تزال ساعة تبطن وساعة تظهر ، فهم يقسمون حين البعث ما لبثوا غير ساعة ، وهذا الوهم الشبيه بالحقيقة قد قرّره سبحانه بقوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ « 3 » . وقوله : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ * قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ « 4 » . ولذلك فليس قولهم وقسمهم على ما يقولون ويدعون تقليلا منهم لمدّة مكثهم في الأرض بالنسبة إلى البقاء الأبدي الذي شاهدوه حين البعث ، ولذلك أردف ذلك بقوله : كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ « 5 » . وقوله : أولي العلم والإيمان : لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ ، كأنّه

--> ( 1 ) سورة الشورى : الآية 45 . ( 2 ) سورة الروم : الآيتان 55 و 56 . ( 3 ) سورة الأحقاف : الآية 35 . ( 4 ) سورة المؤمنون : الآيات 112 - 114 . ( 5 ) سورة الروم : الآية 55 .