السيد الطباطبائي

166

الإنسان والعقيدة

الشافع فعله سبحانه ، وقد مرّ تفسير الإذن بالرضا . وقد قال سبحانه أيضا : يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ « 1 » ، فبيّن به أنّ الذي نسمّيه شفاعة قائم بالرحمة ، فهو رحمته سبحانه كما يستشمّ أيضا من قوله سبحانه : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ « 2 » . ثمّ إنّه سبحانه قال لرسوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 3 » ، وهو كلام مطلق يعطي أنّ له صلّى اللّه عليه واله من اللّه سبحانه مقاما غير مقام الشفاعة أرفع منها ، وهو مقام الإذن الذي يحصل بعده وبسببه الشفاعة ، فهو صلّى اللّه عليه واله شفيع الشفعاء - كما مرّ - وإنّه صلّى اللّه عليه واله شهيد الشهداء . واعلم أنّ مساق هذه الآية في تفضيله صلّى اللّه عليه واله على العالمين غير مساق قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ « 4 » الآية . فإنّ الظاهر منها أنّ تفضيلهم إنّما هو بجمع الآيات الباهرات لهم ، وهو كذلك وليس تفضيلا في قرب التقوى من اللّه تعالى ، ويدلّ على ذلك النقمات والسخطات ، ونزول الرجز بهم ، وليس تفضيل أمّة على العالمين ، كتفضيل الواحد على العالمين ، وخاصّة بالرحمة التي هي الواسطة التامّة بين اللّه سبحانه وبين الموجودات ، وهي شيء في البين وليس بشيء في البين ، فهو سبحانه يخلق كلّ شيء بذاته ، ويرزق كلّ شيء بذاته ، ويبدأ ويدبّر ويعيد كلّ شيء بذاته ،

--> ( 1 ) سورة الدخان : الآيتان 41 و 42 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 156 . ( 3 ) سورة الأنبياء : الآية 107 . ( 4 ) سورة الجاثية : الآية 16 .