السيد الطباطبائي
164
الإنسان والعقيدة
الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ « 1 » . فالشفاعة كالعمل الصالح تفيد رفع الكلم الطيّب ، وهو الإيمان إلى اللّه سبحانه ، فالشفاعة توجب لحوق المذنبين من المؤمنين فقط بالصالحين منهم ، فمثل الشفاعة كمثل البدن إذا اعتراه مرض أو قرحة مخطورة ، فإنّ المزاج إذا كان قويّا ، والطبيعة البدنيّة سالمة أصلحت الصحّة ودفعت المرض عنه ، وإلّا احتيج إلى علاج بالضدّ ودواء يبطل فعل المرض وينصر الطبيعة في إعادتها صحّة البدن إليه ، وتبديلها المواد الفاسدة المجتمعة فيه إلى الصالحة الملائمة له ، فالفاعل للصحّة على كلّ حال هي الطبيعة ، غير أنّها مستقلّة في فعلها حينا ما ومحتاجة إلى ناصر ينصرها حينا ما ، ولذلك فإنّه سبحانه يكرّر القول : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ « 2 » . وأصرح من ذلك محلّا قوله سبحانه : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ « 3 » ، فبيّن أوّلا أنّه سيلحق ذرّيّتهم بآبائهم في درجاتهم ، لا في أصل الرحمة لقوله : وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الآية . ثمّ أردفه بقوله تعالى : كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ الآية . فعدّ هذا اللحوق من الكسب مع أنّ أعمالهم دون ذلك ، فعلمنا به أنّ الإيمان يوجب اتّصالا ما من الداني بالعالي ، وإذا حجبهما من الاستواء في الدرجات حاجب مانع من القصور ، أصلحه الإيمان وارتفعا جميعا إلى درجة واحدة ، وهذه حال الشفاعة توجب لحوق المشفوع بالشافع ، ثمّ إصلاح أعماله السيّئة وجعلها
--> ( 1 ) سورة فاطر : الآية 10 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 286 . ( 3 ) سورة الطور : الآية 21 .