السيد الطباطبائي

158

الإنسان والعقيدة

وقال : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 1 » . وقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ « 2 » . فأخبر سبحانه أنّ الشرك باللّه والمعاصي على اختلاف تصوّراتها توجب خروجهم من النور إلى عالم الظلمات ، فيضلّهم اللّه عزّ وجلّ في الظلمات ، ويصمّهم ، ويبكمهم ، ويرسل الشياطين إليهم ، وهم قرناؤهم إلى يوم القيامة ، فيقطب أبصارهم وأفئدتهم فلا يقصدون إلّا السراب الباطل ، ولا يقدرون أن يروموا الحقّ ويتناولوه كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، بل الأغلال في أعناقهم والسدود من بين أيديهم ومن خلفهم وهم المغشيون ، وليس كلّ ذلك إلّا صور الأعمال ونتيجة الحساب فيما يعتبر فيه ثواب وعقاب . وكثير من الأخبار ، يشهد بذلك ، فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله : « كما تعيشون تموتون ، وكما تموتون تبعثون » « 3 » - الخبر ، وهو في جوامع الكلم ، وهو مع قوله صلّى اللّه عليه واله : « النّاس معادن كمعادن الذهب والفضّة » « 4 » - الخبر ، يعطيان علم مبدأ الإنسان ومعاده بالاستيفاء . وفي الكافي عن الصادق عليه السّلام ، قال : « إذا وضع الميّت في قبره مثّل له شخص فقال : يا هذا ، كنّا ثلاثة : كان رزقك فانقطع بانقطاع أجلك ، وكان أهلك فخلفوك وانصرفوا عنك ، وكنت عملك فبقيت معك . أما إنّي كنت أهون الثلاثة عليك » « 5 » .

--> ( 1 ) سورة يس : الآيتان 8 و 9 . ( 2 ) سورة النور : الآية 39 . ( 3 ) عوالي اللئالي : 4 / 72 . ( 4 ) بحار الأنوار : 58 / 65 ، الباب 42 كتاب السماء والعالم ، الحديث 51 . ( 5 ) الكافي : 3 / 228 ، الباب 159 ، الحديث 14 .