السيد الطباطبائي
129
الإنسان والعقيدة
وقد مرّ أنّ النور هو الإمام الحقّ هذا . والاعتبار أيضا يساعد هذا المعنى ، فإنّ الإنسان بوجوده الدنيوي ، أعني بدنه الحيّ بقواه وإحساساته على ما نزل من عند الحكيم الخبير ودبّره العليم القدير ، متوجّه القوى والإحساسات إلى جهتي القدّام واليمين ، وأمّا جهتا الشمال والوراء فعندهما نفاد القوى وهلاك الاحساس ، والإنسان إذا شقي وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه أقبل إلى الأرض ووجهه لها ، وإذا قام لربّه وأحضر لحسابه واتّبع الدعي لا عوج له ، سار ووجهه إلى خلفه ، فحالهم حال ضرير منكوس الوجه ، مدهوش ، ساع إلى غاية لا يدري ما يفعل ولا ما ذا يفعل به . واعلم أنّ الإمام الحقّ على أنّه مهيمن على أناس دعوا به ، كذلك هو مهيمن على إمام الباطل وحزبه ، قال سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ « 1 » ، فوصف الكتاب المحصي لكلّ شيء من السعادة والشقاوة بالإمامة . وقال أيضا : هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 2 » . فالإمام - الذي هو الكتاب - حاكم في الفريقين : السعيد والشقيّ ، مهيمن على الطائفتين جميعا . وهذا غير مناف لما مرّ أنّ الدعوة إلى الكتاب غير الدعوة بالإمام ، فإنّه سبحانه ما وصف صحف الأعمال بالإمامة ، بل وصفها بالإلزام والمتابعة ، وقال : أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ « 3 » الآية . وإنّما وصف بالإمامة اللوح المحفوظ الذي منه يستنسخ الأعمال وصحف
--> ( 1 ) سورة يس : الآية 12 . ( 2 ) سورة الجاثية : الآية 29 . ( 3 ) سورة الإسراء : الآية 13 .