السيد كمال الحيدري
576
أصول التفسير والتأويل
ولست أدرى كيف يجتمع القول بصحّة هذه الروايات التي تدلّ على ثبوت القرآن بالبيّنة ، مع القول بأنّ القرآن لا يثبت إلّا بالتواتر ، أفلا يكون القطع بلزوم كون القرآن متواتراً سبباً للقطع بكذب هذه الروايات أجمع ؟ ومن الغريب أنّ بعضهم كابن حجر فسّر الشاهدين في الروايات بالكتابة والحفظ « 1 » . وفى ظنّى أنّ الذي حمله على ارتكاب هذا التفسير هو ما ذكرناه من لزوم التواتر في القرآن ، وعلى كلّ حال فهذا التفسير واضح الفساد من جهات : لمخالفة صريح تلك الروايات في جمع القرآن وقد سمعتها . لأنّ هذا التفسير يلزمه أنّهم لم يكتبوا ما ثبت أنّه من القرآن بالتواتر إذا لم يكن مكتوباً عند أحد ، ومعنى ذلك أنّهم أسقطوا من القرآن ما ثبت بالتواتر أنّه من القرآن . لأنّ الكتابة والحفظ لا يحتاج إليهما إذا كان ما يُراد كتابته متواتراً ، وهما لا يثبتان كونه من القرآن إذا لم يكن متواتراً . وعلى كلّ حال فلا فائدة في جعلهما شرطاً في جمع القرآن . وعلى الجملة لابدّ من طرح هذه الروايات لأنّها تدلّ على ثبوت القرآن بغير التواتر ، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين . الجهة الخامسة : استلزام هذه الروايات للقول بالتحريف . إنّ الاستناد إلى هذه الروايات لعدم تحقّق الجمع في زمن النبىّ صلى الله عليه وآله وبيد المعصوم ، واستكشاف وجود النقص في القرآن من هذا الطريق لا ينطبق على المدّعى ، بل اللّازم على المستدلّ أن يقول بالتحريف
--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ص 210 .