السيد كمال الحيدري
518
أصول التفسير والتأويل
فِيهِمْ ( الأنفال : 33 ) الذي دلّ على عدم وقوع التعذيب مع كون النبىّ في المسلمين ووجوده بينهم ، والضرورة قاضية بوقوع التعذيب في بعض الأُمم السالفة مع كون نبيّهم فيهم أنّ كثيراً من الوقائع التي حدثت في الأُمم السالفة لم يصدر مثلها في هذه الأُمّة ، كعبادة العجل ، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة ، وغَرْق فرعون وأصحابه ، ومُلك سليمان للإنس والجنّ ، ورفْع عيسى إلى السماء ، وموت هارون وهو وصىّ موسى قبل موت موسى نفسه ، وإتيان موسى بتسع آيات بيّنات ، وولادة عيسى من غير أب ، ومسْخ كثير من السابقين قردة وخنازير ، وغير ذلك من الوقائع التي لم يحدث مثلها في هذه الأُمّة ، وبعضها غير قابل للحدوث فيما بعد من الأزمنة أيضاً ، كما هو واضح لا يخفى . على ذلك : لابدّ من ارتكاب خلاف الظاهر في هذه الروايات ، وحملها على إرادة المشابهة في بعض الوجوه ، كأن يُقال : إنّه يكفى في وقوع التحريف في هذه الأُمّة عدم اتّباعهم لحدود القرآن ، وعدم رعايتهم لأحكامه وحدوده وقوانينه وشرائعه ، وهذا أيضاً نوع من التحريف . كما أنّ الاختلاف والتفرّق بين الأُمّة وانشعابها إلى مذاهب مختلفة ، وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين ، واليهود إلى إحدى وسبعين على ما هو مقتضى الروايات الكثيرة « 1 » بل المتواترة الدالّة على هذا المعنى يعدّ تحريفاً أيضاً ، لأجل استناد كلّ منهم إلى القرآن الذي فسّروه بالرأي ، واعتمادهم على الأخبار الواردة في تفسير الآيات من غير العَرْض على الكتاب وتمييز الصحيح منها من السقيم . ويؤكّد ذلك ما رواه أبو واقد الليثي : « إنّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] :
--> ( 1 ) الخصال ، للشيخ الصدوق ، مصدر سابق : ج 2 ص 585 .