السيد كمال الحيدري

503

أصول التفسير والتأويل

صناعتهم ممّا لا يرتاب فيه . وقد طالت مدّة التحدّى وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلّا بالتجافى ، ولم يزدهم إلّا العجز ، ولم يكن منهم إلّا الاستخفاء والفرار ، كما قال تعالى : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( هود : 5 ) . وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرناً ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه بشئ إلّا أخزى نفسه وافتضح في أمره . التحدّى بعدم الاختلاف فيه قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) . من الضروري أنّ هذه النشأة هي نشأة المادّة ، والقانون الحاكم فيها قانون التحوّل والتكامل ، فما من موجود من الموجودات التي هي أجزاء هذا العالم إلّا وهو متدرّج الوجود متوجّه من الضعف إلى القوّة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وفى جميع توابع ذاته ولواحقه من الأفعال والآثار ، ومن جملتها الإنسان الذي لا يزال يتحوّل ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره التي منها آثاره التي يتوسّل إليها بالفكر والإدراك . فما من إنسان إلّا وهو يرى كلّ يوم أنّه أعقل من أمس ، وأنّ ما ينشئه من عمل أو صنعة أو ما أشبه ذلك أو يدبّره من رأى أو نظر أو نحوهما أخيراً أحكم وأمتن ممّا أتى به أوّلًا ، حتّى العمل الواحد الذي فيه شئ من الامتداد الوجودي كالكتاب يكتبه الكاتب والشعر يقوله الشاعر والخطبة يخطبها الخطيب ، وهكذا يجد عند الإمعان آخره خيراً من أوّله وبعضه أفضل من بعض . فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه وما يأتي به من العمل من