السيد كمال الحيدري
437
أصول التفسير والتأويل
وشيجة وتماثل يصل حدّ التطابق كما وقفنا على ذلك عند الآملى . فالإنسان عالمٌ صغير توجد فيه حقائق العالم بأكملها ، هي فيه على حال الاجتماع ، فيما هي في العالم الخارجي ( الآفاقي ) متفرّقة ، والعالم بدوره إنسانٌ كبير ، ومن ثمّ فإنّ حكمهما واحد ، والقرآن رديف ثالث للإنسان والعالم لا يشذّ عنهما في الحكم ، فكلّ الأحكام العامّة التي تنطبق عليهما تنطبق عليه . فالإنسان جامع لحقائق الكون من جهة وحقائق القرآن من جهة أُخرى ، والقرآن يختزل بين دفّتيه مراتب الإنسان وحقيقة وجوده ، كما يعدّ تعبيراً موازياً عن الوجود . ثمّ إنّ هذه العوالم جميعاً ( الأنفسى ، الآفاقي ، القرآني ) كلّها كتب إلهية وصحائف رحمانية ، دالّة على الله وتجلّيات لأسمائه وصفاته ومظاهر لها ، تكتسب في الإنسان هيئة ، وفى القرآن أُخرى ، وفى العالم ثالثة . قال الشيرازي : « قد انكشف لك ، ودريت ممّا سرد عليك أنّ هذه العوالم كلّها كُتبٌ إلهية وصحائف رحمانية ، لإحاطتها بصور الحقائق والمعاني واشتمالها على الأرقام والخطوط الدالّة على المحامد السبحانية والأثنية ( جمع ثناء ) الربّانية ، يتلوها القارئ العارف ، بقوّة فكره وصفاء سرّه ، وسلامة طبعه عن كدورات هذه التعلّقات ، وتجرّد ذهنه ، وجلاء عينه عن علوق هذه الغشاوات ، فيطالع ما فيها ويتدبّر في معانيها ، ويرتقى من بعضها إلى بعض ، حتّى يصل إلى منشئها وراقمها وممليها وناظمها » « 1 » . انطلاقاً من الموازاة بين القرآن والعالم والإنسان « يصبح القرآن هو الدالّ اللغوي والتعبير اللفظي والرقمى عن الوجود بكلّ مراتبه ومستوياته ،
--> ( 1 ) تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألّهين الشيرازي ، حقّقه وضبطه وعلّق عليه الشيخ محمّد جعفر شمس الدِّين ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت ، 1998 : ج 5 ص 377 .