السيد كمال الحيدري

433

أصول التفسير والتأويل

اللبّ ، على ما رسمت المدرسة الوجودية ؛ أم أنّ الذي ينشئ عمق القرآن وغور معانيه وثراء مفاهيمه وتعدّدها هو اللفظ وكيفيّة استعماله وتركيبه ، ومن ثمّ فإنّ البطون والمعاني المترتّبة على بعضها هي من مقولة المفاهيم والتأويلات الذهنية التي تنبثق عن دلالة اللفظ وطبيعة التركيب أو ممّا يحتمله اللفظ القرآني ويكون أحد مدلولاته ، وتخضع عملية نيلها ووضع اليد عليها إلى بذل الجهد العقلي والنشاط الذهني التأويلى والاتّصاف بحدّة الذكاء وعمق التفكير وما إلى ذلك ؟ الحقيقة أنّ البطون مسألةٌ ثابتة في ضوء الاتّجاهين كليهما المعرفى والوجودى ، وأنّ ما يختلف بينهما هو التفسير . فالاتّجاه المعرفى وما يتضمّنه من مدارس ينحصر تعاملها مع القرآن كنصّ وحسب ، فترى أنّ النصّ هو الذي يحوى عدداً من المعاني والبطون والأغوار . أمّا الاتّجاه الوجودي فيتعامل مع البطون بوصفها حقيقةً كائنة وراء النصّ وخارجة عنه تنطوى على مراتب ، فهنا مراتب وبطون ، وهناك مراتب وبطون أيضاً ، لكنّها في الاتّجاه الوجودي من سنخ الحقائق ، أمّا في الاتجاه المعرفى ، فالبطون من مقولة المفاهيم والتأويلات الذهنية ، والاختلاف بينهما ناجم عن نظرتهما لحقيقة القرآن » « 1 » وكونه له مرتبة وجودية واحدة أو مرتبتان كما هو مقتضى ما تقدّم من قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( الزخرف : 4 3 ) . وقد اختار جملة من الأعلام في المقام ما أشرنا إليه في الاتجاه الثاني في بيان حقيقة التأويل ، كالغزالى وابن عربى والشيرازي والطباطبائى وغيرهم .

--> ( 1 ) فهم القرآن ، دراسة على ضوء المدرسة السلوكية ، الناشر : مؤسّسة العروج ، 1424 ه : ص 389 .