السيد كمال الحيدري
368
أصول التفسير والتأويل
تأويل أهل الباطن ، بل التأويل المستند إلى قانون اللغة والمنطلق من أساليب استخدامها ، والقائم على المجاز والكناية بقرينة أنّهم استخدموه مثلًا في تفسير قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ فقالوا : إنّ تأويله : جاء أمر ربّك بحذف المضاف ، وهو من باب المجاز في الإسناد المقرّر في علم المعاني ، أو الحذف مع التقدير المقرّر في البيان ، والقرينة على المجاز أو الحذف قرينة عقلية وهى استحالة نسبة المجىء إلى الحقّ نفسه . لذا عقّب على هذا النحو من التأويل بقوله : « لكن هذا كلّه هو طريق أهل الظاهر وأرباب الأُصول تنزيهاً للحقّ من النقائص وتقديساً له من العيوب اللّازمة للإمكان والحدوث » « 1 » والتي وقع فيها كثيرون عندما أخذوا أنفسهم بالتزام دلالة الظاهر ، وعزفوا عن الأخذ بالتأويل والعمل على طبقه . « والحنابلة ما وقعوا فيما وقعوا إلّا من عدم التأويل والحكم بظواهر القرآن دون بواطنه » « 2 » . « أمّا طريق أهل الباطن وأرباب المعرفة فسبيل مختلف ومنهج مغاير ، وهو يقوم كما سيأتي على أساس اشتمال القرآن على مراتب باطنة للمعنى لا يساعد قانون اللغة ولا سياقها في التأدّى إليها وبلوغها ، ولا تنفع أساليب الفهم وطرائق الاستبناط والتفسير الشائعة عند أرباب الظاهر وعلماء الشريعة في اقتناصها . ولقد تمسّكوا أكثر ما تمسّكوا للاستدلال على ذلك بما ورد عن النبىّ صلّى الله عليه وآله : إنّ للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن ، والذي ورد منه أيضاً : مامن آية إلّا ولها ظهر وبطن ، ولكلّ حرف حدّ ، ولكلّ حدّ مطلع . وهذان الخبران دالّان على أنّ للقرآن ظواهر تجب التفسير ، وبواطن
--> ( 1 ) تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضمّ : ج 1 ص 205 . ( 2 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 301 .