السيد كمال الحيدري
348
أصول التفسير والتأويل
من المتشابه بتأويل الآية كما ينبئ به ما عنونّا به المسألة وقرّرنا عليه الخلاف وقول كلّ من الطرفين ، لذلك أغضينا عن نقل حجج الطرفين ؛ لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها بعد ابتنائها على الخلط . والذي ينبغي أن يُقال : إنّ القرآن يدلّ على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى ، وأمّا هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك . أمّا الجهة الثانية : فإنّ الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنّما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه ، وتفرّق الناس في الأخذ بها ، فهم بين مائل إلى اتّباع المتشابه لزيغ في قلبه ، وثابت على اتّباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه . فإنّما القصد الأوّل في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمّهم ، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأوّل ، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلّا وجوه غير تامّة ، فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك . فالذي تدلّ عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به . لكنّه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدلّ على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره مثل العلم بالغيب ، قال تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ( النمل : 65 ) ، وقال تعالى : إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ( يونس : 20 ) ، وقال تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ( الأنعام : 59 ) ، فدلّ جميع ذلك على الحصر . ثمّ قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ( الجنّ : 26 - 27 ) ، فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول ، ولذلك نظائر في القرآن .