السيد كمال الحيدري
330
أصول التفسير والتأويل
المخاطب حافظ له يصوّره في الذهن بصورة مضمّنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله . كذلك أمر التأويل ، فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصّة من القصص القرآنية ، وإن لم يكن أمراً يدلّ عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهى أو البيان أو الواقعة الكذائية ، إلّا أنّ الحكم أو البيان أو الحادثة لمّا كان كلٌّ منها ينتشى منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة ، كما أنّ قول السيّد لخادمه ( اسقني ) ينتشى عن اقتضاء الطبيعة الإنسانيّة لكمالها ، فإنّ هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضى حفظ الوجود والبقاء ، وهو يقتضى بدل ما يتحلّل من البدن ، وهو يقتضى الغذاء اللازم ، وهو يقتضى الرىّ ، وهو يقتضى الأمر بالسقي مثلًا . فتأويل قوله : ( اسقني ) هو ما عليه الطبيعة الخارجية الإنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه . ولو تبدّلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شئ آخر يباين الأوّل مثلًا لتبدّل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر ، وكذا الفعل الذي يُعرف فيفعل ، أو يُنكر فيُجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم ، إنّما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم ، وهو يستند إلى مجموعة متّحدة متّفقة من علل زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممّن سبقه ، وتكرّر المشاهدة ممّن شاهده من أهل منطقته ، فهذه العلّة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه ، من غير أن تكون عين فعله أو تركه ، لكنّها محكيّة مضمّنة محفوظة بالفعل أو الترك ، ولو فرض تبدّل المحيط الاجتماعي لتبدّل ما أتى به من الفعل أو الترك .