السيد كمال الحيدري
187
أصول التفسير والتأويل
الحارث المحاسبي حيث قال في حدّ العقل : « إنّه غريزة يتهيّأ بها إدراك العلوم النظرية وتدبير الصناعات ، وكأنّه نور يقذف في القلب ، به يستعدّ لإدراك الأشياء ، فإنّ الغافل عن العلوم والنائم يسمّيان عاقلين باعتبار وجود هذه الغريزة مع فقد العلوم . وكما أنّ الحياة غريزة بها يتهيّأ الجسم للحركات الاختيارية والإدراكات الحسّية ، فكذلك العقل غريزة بها يتهيّأ بعض الحيوانات للعلوم النظرية . ويمكن تشبيه ذلك بالمرآة التي تفارق غيرها من الأجسام في حكاية الصور والألوان ؛ لصفة اختصّت بها وهى الصقالة ، وكذلك العين تفارق الأعضاء بصفة غريزية بها استعدّت للرؤية . فنسبة هذه الغريزة في استعدادها لانكشاف العلوم كنسبة المرآة إلى صور الألوان ونسبة العين إلى صور المرئيات » « 1 » . والعقل بهذا المعنى يستعمله الفلاسفة في كتاب البرهان ويعنون به قوّة النفس التي بها يحصل اليقين بالمقدّمات الصادقة الضرورية . 2 . علوم تستفاد من التجارب بمجارى الأحوال ، فإنّ من حنّكته التجارب وهذّبته المذاهب يقال : إنّه عاقل في العادة ، ومن لا يتّصف بذلك يقال : إنّه غبىّ جاهل . « ومرجعه إلى جودة الرويّة وسرعة التفطّن في استنباط ما ينبغي أن يؤثر أو يتجنّب ، وإن كان في باب الأغراض الدنياوية وهوى النفس الأمّارة بالسوء ، فإنّ الناس يسمّون من له هذه الرويّة المذكورة عاقلًا ، أمّا أهل الحقّ فلا يسمّون هذه الحالة عقلًا بل أسماء أُخر كالدهاء أو الشيطنة وغيرهما » « 2 » .
--> ( 1 ) شرح أصول الكافي لصدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي ، عنى بتصحيحه : محمّد خواجوى ، مؤسّسة مطالعات فرهنگى ، إيران ، ط . 1 : ج 1 ص 225 ، كتاب العقل والجهل . ( 2 ) المصدر نفسه .