السيد كمال الحيدري
113
أصول التفسير والتأويل
يخرق قوانين الطبيعة وبين حقّية دعوى الرسالة والسفارة الإلهية ، مع أنّ العقل لا يرى تلازماً بين صدق الرسول في دعوته إلى الله تعالى وبين صدور أمر خارق للعادة منه ؟ وبالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازماً بين حقّية ما أتى به الأنبياء والرسل من معارف المبدأ والمعاد ، وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم . مضافاً إلى أنّ قيام البراهين الساطعة على هذه الأصول الحقّة يغنى العالم البصير بها عن النظر في أمر الإعجاز . الجواب عن ذلك : « إنّ الأنبياء والرسل عليهم السلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لإثبات شئ من معارف المبدأ والمعاد ممّا يناله العقل كالتوحيد والبعث وأمثالهما ، وإنّما اكتفوا في ذلك بحجّة العقل والمخاطبة من طريق النظر والاستدلال ، كقوله تعالى : قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ( إبراهيم : 10 ) في الاحتجاج على التوحيد ، وقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( ص : 28 27 ) في الاحتجاج على البعث . وإنّما سُئل الرسل المعجزة وأتوا بها لإثبات رسالتهم وتحقيق دعواها ، وذلك أنّهم ادّعوا الرسالة والسفارة من الله بالوحي وأنّه بتكليم إلهىّ أو نزول ملك ونحوهما ، وهذا شئ خارق للعادة في نفسه ، وهو من غير سنخ الإدراكات الظاهرة والباطنة التي يعرفها عامّة الناس ويجدونها من أنفسهم ، بل إدراك مستور عن عامّة النفوس لو صحّ وجوده لكان تصرّفاً خاصّاً من ما وراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط ، مع أنّ الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشرية وقواها ، ولذلك صادفوا إنكاراً شديداً من الناس ومقاومة عنيفة في ردّه على أحد وجهين :