خطب الإمام علي ( ع ) ( شرح علي محمد علي دخيل )

الحلقة 21 و 22 ص 58

نهج البلاغة ( دخيل )

عليه وآله شيئا يأمر به ثمّ إنهّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ، ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ، ولم يحفظ النّاسخ ( 1 ) ، فلو علم أنهّ منسوخ لرفضه ، ولو علم

--> ( 1 ) فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ : النسخ : الإزالة ، والناسخ : هو إزالة حكم شرعي بآخر ، والمنسوخ : هو الحكم الذي أزيل ، وترك العمل به لانتهاء أمده ، أو لتغيّر ظرفه ، أو تبدّل موضوعه والسبب في ذلك تغيّر المصلحة ، وعلى سبيل المثال : الدين الإسلامي يريد للمسلم استقلالية تميزّه عن غيره ، وكيانا مستقلا ، ففي فجر الدعوة أمروا بالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس مخالفة للمشركين الذين كانوا يتوجهون في طقوسهم الدينية إلى الكعبة المكرّمة ، وبعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة ، وفيها اليهود ، وكانوا يتوجّهون في طقوسهم الدينية إلى بيت المقدس ، وكانوا يعيّرون المسلمين بأنهم تبع لهم في القبلة ، فشقّ ذلك على النبي صلّى اللهّ عليه وآله وسلّم وكان ينتظر الأمر الإلهي في تغيير القبلة قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شطَرْهَُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَهَُّ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُّ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ 2 : 144 فأمروا بالتوجهّ إلى الكعبة . ومثال آخر : كان على المسلم أن يثبت في الحرب لعشرة من المشركين ولا يولهم دبره يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ 8 : 65 . وكثر المسلمون ونزل التخفيف منه جلّ جلاله فصار على المسلم أن يثبت لاثنين من المشركين الْآنَ خَفَّفَ اللهُّ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِّ وَاللهُّ مَعَ الصّابِرِينَ 8 : 66 . فالنسخ يجعله جلّ جلاله لاقتضاء المصلحة التي لا يعلمها إلّا هو ، وليس لأحد - مهما ارتفعت درجته في العلم - نسخ حكم وتبديله بآخر ، بل حتى الرسول الأعظم صلّى اللهّ عليه وآله ما كان له ذلك ، بل هو عبد ممتثل لما يأمره به جلّ جلاله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ 3 : 128