الشيخ علي الكوراني العاملي

29

شمعون الصفا

فتكون له عزاء وسلوة ، قال : فبقيت إلى يوم الناس هذا ، وقد اصفرت لطول زمنها ، وهذه أرض كرب وبلاء . ثم قال بأعلى صوته : يا رب عيسى بن مريم ، لا تبارك في قتلته والمعين عليه والخاذل له ، ثم بكى بكاء طويلاً وبكينا معه ، حتى سقط لوجهه وغشي عليه طويلاً . ثم أفاق فأخذ البعر فصره في ردائه وأمرني أن أصرها كذلك ، ثم قال : يا ابن عباس ، إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ويسيل منها دم عبيط ، فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل بها ودفن . قال ابن عباس : فوالله لقد كنت أحفظها أشد من حفظي لبعض ما افترض الله عز وجل عليَّ ، وأنا لا أحلها من طرف كمي فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دماً عبيطاً ، وكان كمي قد امتلأ دماً عبيطاً ، فجلست وأنا باك ، وقلت : قد قتل والله الحسين ، والله ما كذبني عليٌّ قط في حديث حدثني ، ولا أخبرني بشئ قط أنه يكون إلا كان كذلك ، لأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره . ففزعت وخرجت وذلك عند الفجر ، فرأيت والله المدينة كأنها ضباب لا يستبين منها أثر عين ، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها منكسفة ، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط ، فجلست وأنا باك ، فقلت : قد قتل والله الحسين ، وسمعت صوتاً من ناحية البيت ، وهو يقول : إصبروا آل الرسول . قتل الفرخ النحول . نزل الروح الأمين . ببكاء وعويل . ثم بكى بأعلى صوته وبكيت ، فأثبت عندي تلك الساعة ، وكان شهر المحرم يوم عاشوراء لعشر مضين منه ، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه