الشيخ علي الكوراني العاملي

192

جواهر التاريخ ( دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية )

ولا أقلَّت الغبراء أحداً أصدق لهجة من أبي ذر ! فقال جميع من حضر من أصحاب رسول الله : صدق علي . وقال أبو ذر : أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله وتتهموني ! ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا منكم ! فقال عثمان : كذبتَ ، أنت رجلٌ محب للفتنة . . . فقال أبو ذر : والله ما أعرف لي إليك ذنباً إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال : فاشتد غضب عثمان ثم قال : أشيروا عليَّ في أمر هذا الشيخ الكذاب فقد فرق جماعة المسلمين ! فقال علي رضي الله عنه : أما أنا فأشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون : وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ! فقال عثمان : التراب بفيك يا علي ! فقال علي : بل بفيك يا عثمان ! أتصنع هذا بأبي ذر وهو حبيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في كتاب كتبه إليك معاوية ، من قد عرفت زَهَقَه وظلمه ! قال : فأمسك عثمان عن علي ، ثم أقبل على أبي ذر فقال : أخرج عنا من بلدنا ! فقال أبو ذر : ما أبغض إليَّ جوارك ، ولكن إلى أين أخرج ؟ فقال عثمان : إلى حيث شئت ! فقال : أرجع إلى الشام فإنها أرض الجهاد ، فقال عثمان : إني إنما جئت بك من الشام لما تفسد بها عليَّ ولا أحب أن أردك إليها ! قال أبو ذر : فأخرج إلى العراق ؟ قال عثمان : لا ، لأنهم قوم أهل شبهة وطعن على الأئمة ، فقال أبو ذر : فإني حيثُ كنتُ فلا بدَّ لي من قول الحق ، فإلى أين تحب أن أخرج ؟ فقال عثمان : أيُّ بلد هو أبغضُ إليك ؟ قال : الربذة ، قال : فأخرج إليها ، ولا تَعْدُها ) . انتهى . وقد وضعنا عبارة ( لم أسمع هذا ولكن ) بين قوسين لأنها عبارة مشكوكة ، فعليٌّ ( عليه السلام ) بنص القرآن عنده علم الكتاب ، وجعله الله شاهداً بعد نبيه على رسالته فقال تعالى : قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ( الرعد : 43 ) وقد أمر الله نبيه ( صلى الله عليه وآله ) أن يقربه ويعلمه فكان أخص المسلمين به ،