الشيخ علي الكوراني العاملي
382
الإمام الحسن العسكري ( ع )
ويؤيد ذلك ما رواه مسلم في صحيحه ( 1 / 109 ) عن عائشة أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : ( لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى . فقلت يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ . أن ذلك تاماً . قال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ) . لا يكون غير المعصوم قدوة مطلقة في كل المجتمعات توجد ظاهرة الاتباع والائتمام والتمحور حول رئيس ديني أو دنيوي ، وتكثر أنواع الرؤساء أو القدوات ، وتتنوع القواعد التي وضعوها لاختيار المتبوع وطاعته . وأكثر الإتِّبَاع في القرآن مذموم ، قال الله تعالى : وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا . وقال : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ . وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا . وبعضه اتباعٌ ممدوح ، قال تعالى : وَالسَّابِقُونَ الأَوَلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ . وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . وقد وضعت الأديان شروطاً لمن يُتبع ويُطاع ، لكن الناس عادةً يخالفون شروط الأديان والرسل ، ولا يتقيدون بها . وقد تفرد تفسير الإمام العسكري ( عليه السلام ) برواية تبين صفات من يصح الاقتداء به ومن لا يصح ، وتعلمك كيف ينبغي أن تمتحنه لتعرف تحقق الشروط فيه ! قال ( عليه السلام ) / 53 : ( وأما قول علي بن الحسين ( عليه السلام ) فإنه قال : إذا رأيتم الرجل قد حَسَّنَ سَمْتَهُ وهديه ، وتماوت في منطقه ، وتخاضع في حركاته ، فرويداً لا يغرنكم ، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا ، وركوب المحارم منها ، لضعف نيته ومهانته ، وجُبن قلبه ، فنصب الدين فخاً لها ، فهو لا يزل يختل الناس بظاهره ، فإن تمكن من حرام اقتحمه . فإذا وجدتموه يعف من المال الحرام ، فرويداً لا يغرنكم ، فإن شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرماً ! فإذا وجدتموه يعفُّ عن ذلك ، فرويداً لا يغرنكم حتى تنظروا ما عَقَدَهُ عقلُه فما أكثر من يترك ذلك أجمع ، ثم لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله . فإذا وجدتم عقله متيناً فرويداً لا يغرنكم ، حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ؟ وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها ، فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة ، حتى إذا : قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالآثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ . فهو يخبط خبط عشواء ، يقوده أولُ باطلٍ إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمد يده بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه ، فهو يحل ما حرم الله ، ويحرم ما أحل الله ، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته ، التي قد شقيَ من أجلها . فأولئك مع الذين غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ . . وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا . ولكن الرجل كل الرجل ، نعم الرجل ، هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله ، وقواه مبذولة في رضاء الله تعالى ، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل ، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعم في دار لا تبيد ولا تنفد ، وإن كثير ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه ، يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال . فذلكم الرجل نعم الرجل ، فبه فتمسكوا ، وبسنته فاقتدوا ، وإلى ربكم فبه فتوسلوا ، فإنه لا ترد له دعوة ، ولا تخيب له طلبة ) . ملاحظات 1 . مقصود الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) بهذا الحديث النهي عن الاقتداء بغير المعصوم ، وقد صرح به الإمام الصادق ( عليه السلام ) بقوله ( الكافي : 2 / 298 ) : ( عن أبي حمزة الثمالي قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إياك والرئاسة ، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال ، قال قلت : جعلت فداك أما الرئاسة فقد عرفتها ، وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال . فقال لي : ليس حيث تذهب ، إياك أن تنصب رجلاً دون الحجة ، فتصدقه في كل ما قال ) . ومعنى نَصَبَ رجل دون الحجة : اتخذ رجلاً قدوةً وإماماً ، مقابل المعصوم الذي نصبه الله تعالى ، وهذا يعني أن المتخذ من دون الإمام ( عليه السلام ) متخذ من دون الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ومن دون الله ، كما قال الله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للَّهِ . وهذا يعني نوعاً من التكفير لمن لم يطع المعصوم وأطاع غيره وإن لم تجر عليه أحكام الكافر والمشرك ! 2 . يأتي هنا السؤال : هل يعني ذلك أن الاقتداء بأي شخص ضلال ، إلا المعصوم ؟ والجواب : أن ذلك ليس على إطلاقه ، لكن نصب الشخص مقابل المعصوم ( عليه السلام ) ضلال ، والاقتداء بمن خالف المعصوم ( عليه السلام ) ضلال . ومعناه : أنه يشترط فيمن تقتدي به شرطين : الأول : أن لا نعصمه . والثاني : أن لا يخالف المعصوم ( عليه السلام ) . 3 . يتضح بهذا أن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) يقصد وجوب التشدد في شروط من تقتدي به ، وضرورة امتحانه ، وذلك بعد أن يكون مستوفياً للشرطين الأصليين وهما أن لا تنصبه دون الحجة ، ولا يكون مخالفاً للحجة . فبعد إحراز هذين الشرطين إمتحنه بالمواد الأربعة التي ذكرها ( عليه السلام ) : المال ، والجنس ، والعقل ، وتغليب عقله على هواه . ويؤيد ذلك قول الإمام العسكري ( عليه السلام ) في تفسيره / 674 : ( قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ : ممن ترضون دينه وأمانته ، وصلاحه وعفته ، وتيقظه فيما يشهد به ، وتحصيله وتمييزه . فما كل صالح مميز ولا محصل ولا كل محصل مميز صالح ، وإن من عباد الله لمن هو أهل لصلاحه وعفته ، لو شهد لم تقبل شهادته لقلة تمييزه . فإذا كان صالحاً عفيفاً ، مميزاً محصلاً ، مجانباً للمعصية والهوى والميل والتحامل ، فذلكم الرجل الفاضل ، فبه فتمسكوا وبهديه فاقتدوا . وإن انقطع عنكم المطر فاستمطروا به ، وإن امتنع عليكم النبات فاستخرجوا به النبات ، وإن تعذر عليكم الرزق فاستدروا به الرزق ، فإن ذلك ممن لا تخيب طلبته ، ولا ترد مسألته ) . 4 . أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمته باتباع الأئمة من عترته من بعده ( عليهم السلام ) والاقتداء بهم ، وقد تواترت الرواية عنه في ذلك ، كالذي رواه الخزاز في كفاية الأثر / 111 : ( عن واثلة بن الأسفع قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنزلوا أهل بيتي بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة العينين من الرأس ، وإن الرأس لا يهتدي إلا بالعينين . اقتدوا بهم من بعدي ، لن تضلوا . فسألنا عن الأئمة قال : الأئمة بعدي من عترتي ، أو قال من أهل بيتي ، عدد نقباء بني إسرائيل ) . والذي رواه الصدوق في معاني الأخبار / 114 : ( عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اقتدوا بالشمس فإذا غابت الشمس فاقتدوا بالقمر ، فإذا غاب القمر فاقتدوا بالزهرة ، فإذا غابت الزهرة فاقتدوا بالفرقدين . فقالوا : يا رسول الله فما الشمس ، وما القمر ، وما الزهرة ، وما الفرقدان ؟ فقال : أنا الشمس ، وعلي القمر ، والزهرة فاطمة ، والفرقدان الحسن والحسين ) . وقد وضع رواة السلطة مقابل هذا الحديث أحاديث في اتباع أبي بكر وعمر ! وردها بعض نقاد الحديث ، وكذبوا راويها ، وهو من ذرية عمر ! روى الحاكم ( 3 / 75 ) : ( عن حذيفة قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اقتدوا باللذيْن من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار ، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد ) . وفي كشف الخفاء ( 1 / 160 ) : ( رواه أحمد والترمذي وابن ماجة عن حذيفة . . والطبراني عن أنس ، وله من حديث أبي الدرداء : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فإنهما حبل الله الممدود ، ومن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ) . وقال ابن حجر في لسان الميزان ( 5 / 237 ) : ( محمد بن عبد الله بن عمروي العمري . ذكره العقيلي فقال : لا يصح حديثه ولا يعرف بنقل الحد يث ، حدثنا أحمد بن خليل قال ثنا إبراهيم بن محمد الحلبي حدثني محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم ، انا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنه ، عن ابن القاسم بن عبد الله ، بن عبيد الله ، بن عاصم ، بن عمر بن الخطاب ، عنهما مرفوعاً : اقتدوا باللذيْن من بعدي أبي بكر وعمر . فهذا لا أصل له من حديث مالك ، بل هو معروف من حديث حذيفة بن اليمان ، وقال الدارقطني : العمري هذا يحدث عن مالك بأباطيل . وقال ابن مندة : له مناكير . انتهى . وقال العقيلي بعد تخريجه : هذا حديث منكر ، لا أصل له ، وأخرجه الدارقطني من رواية أحمد الخليلي الضمري ، بسنده وساق بسند كذلك ، ثم قال : لا يثبت والعمري هذا ضعيف . ثم أخرجه عن العباس بن عقدة عن يونس بن سابق ، ثنا محمد بن خالد العمري ، ثنا مالك به ، وقال : كذا قال محمد بن خالد العمري ، وأشار إلى أنه واحد اختلف في اسم أبيه ، ويحتمل أن يكون آخر . وسيأتي القول في يونس بن سابق شيخ ابن عقدة . . وقال الدارقطني : محمد بن عبد الله العمري ، هذا منكر الحديث ، يحدث عن مالك بأباطيل ) . وقال الجاحظ في العثمانية / 135 : ( ويروون أن النبي صلى الله عليه قال : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر . وقد تعلمون أن إسناده عبد الملك ، عن ربعي عن حذيفة . والآخر سلمة بن كهيل ، عن أبي الزعراء ، عن عبد الله ! ويروون أن النبي صلى الله عليه نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين فقال : هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا الأنبياء والمرسلين ، يا علي لا تخبرهما . فزعموا جميعاً أن علياً قال : ولو كانا حيين ما حدثتكم . ويروون جميعاً أن علياً قام في الناس خطيباً فقال : ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر ، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت ، فكنى عن ذكر عثمان . ويروون أن النبي صلى الله عليه لما أسس مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه ، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه ، ثم جاء عمر بحجر فوضعه ، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه ، فسئل النبي صلى الله عليه عن ذلك فقال : هم لأمر الخلافة من بعدي ) . هذا وقد كذَّبَ أئمتنا ( عليهم السلام ) حديث الاقتداء بأبي بكر وعمر ، وما شابهه ، فقد رده الإمام الرضا ( عليه السلام ) لما سأله عنه المأمون ، ورده الإمام الجواد ( عليه السلام ) لما سأله عنه الفقهاء . 5 . بحث فقهاؤنا حديث الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : لا يغرنكم الرجل . . في مسألة العدالة ، وتوسع فيه علماء البحرين . الحدائق ( 10 / 58 ، والدرة النجفيه : 2 / 454 ) . * *