الشيخ علي الكوراني العاملي

120

جواهر التاريخ ( سيرة الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق ع )

ولنا طعاماً فلما قربوا من المدينة أغلق أهلها الباب في وجوههم وشتموهم وذكروا بالشتم علياً « عليه السلام » ، وقالوا لهم : لا نزول لكم عندنا ولا بيع ولا شراء ، فأنتم كفار مشركون ! فوقف غلماننا إلى الباب حتى انتهينا إليهم فكلمهم أبي وليَّن لهم القول قال : اتقوا الله فلسنا كما بلغكم ! فأجابوه بمثل ما أجابوا الغلمان ، فقال لهم أبي : هبونا كما قلتم فافتحوا الباب وبايعونا كما تبايعون اليهود والنصارى والمجوس . فقالوا : أنتم أشر منهم ، لأن هؤلاء يؤدون الجزية وأنتم لا تؤدون . فقال لهم أبي : إفتحوا الباب وخذوا منا الجزية كما تأخذونها منهم . فقالوا : لا نفتح ولا كرامة حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعاً وتموت دوابكم تحتكم ! فوعظهم أبي فازدادوا عتوا فثنى أبي رجله عن سرجه وقال لي : مكانك يا جعفر لا تبرح ! فصعد الجبل المطل على مدينة مدين وهم ينظرون ما يصنع ، فلما صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة ووضع إصبعيه في أذنيه ونادى : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ . . . إلى قوله : بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ . نحن والله بقية الله في أرضه ! فأمر الله تعالى ريحاً سوداء مظلمة فهبت واحتملت صوته فألقته في أسماع الرجال والنساء والصبيان والإماء ، فما بقي أحد من أهل مدين إلا صعد السطح من الفزع ! وفيمن صعد شيخ كبير السن ، فلما نظر الجبل صرخ بأعلى صوته : اتقوا الله يا أهل مدين ، فإنه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب حين دعا على قومه ! فإن لم تفتحوا له الباب نزل بكم العذاب ، وقد أعذر من أنذر ! ففتحوا لنا الباب وأنزلونا وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام ، فارتحلنا من مدين إلى المدينة في اليوم الثاني ، وكتب هشام إلى عامله بأن يأخذوا الشيخ