ابن عربي

551

الفتوحات المكية

فبما رحمة من الله لنت لهم وهذا معنى قوله صراط الذين أنعمت عليهم أي الطريق الذي أنعمت بها عليهم وهي الرحمة التي أعطتهم التوفيق والهداية في دار التكليف وهي رحمة عناية فكانوا بذلك غير مغضوب عليهم ولا ضالين لما أعطاهم من الهداية فلم يحاروا يقول من غضب الله عليه امنن علينا بالرحمة التي مننت بها على أولئك ابتداء من غير استحقاق حتى وصفتهم بأنهم غير مغضوب عليهم إذ قد مننت عليهم بالهداية فأزالت الضلالة التي هي الحيرة عنهم فمن بالذي يزيل ما استحققناه من غضب الله فيرحمهم الله برحمة الامتنان وهي الرحمة التي في الآية الثالثة بالاسم الرحمن فيزيل عنهم العذاب ويعطيهم النعيم فيما هم فيه بالاسم الرحيم فليس في أم الكتاب آية غضب بل كلها رحمة وهي الحاكمة على كل آية في الكتاب لأنها الأم فسبقت رحمته غضبه وكيف لا يكون ذلك والنسب الذي بين العالم وبين الله إنما هو من الاسم الرحمن فجعل الرحم قطعة منه فلا تنتسب الرحم إلا إليه وما في العالم إلا من عنده رحمة بأمر ما لا بد من ذلك ولا يتمكن أن تعم رحمة المحدث رحمة القديم في العموم لأن الحق يعم علمه كل معلوم والحق لا يحيط أحد من علمه إلا بما شاء فيرحم الخلق على قدر علمهم كما رحم الله على قدر علمه فكل من غضب من العالم وانتقم فقد رحم نفسه بذلك الانتقام فإنه شفاء له مما يجده من ألم الغضب وصدقة الإنسان على نفسه أفضل الصدقات فإذا رحم نفسه وزال الغضب أعقبته الرحمة وهي الندم الذي يجده الإنسان إذا عاقب أحدا ويقول لو شاء الله كان العفو عنه أحسن لا بد أن يقول ذلك إما دنيا وإما آخرة في انتقامه لنفسه لئلا يتخيل أن إقامة الحدود من هذا القبيل فإن إقامة الحدود شرع من عند الله ما للإنسان فيها تعمل فقد وصل الإنسان بهذا الفعل رحمه وإليه وصول الرحمة فلا بد أن ينال الخلق كلهم رحمة الله فمنهم العاجل والآجل لأنه ما ثم إلا من وصل رحمه فوصله الله من ذلك الوجه ومن قطع رحمه أي بعض رحمه لأن القطع لا يتمكن له أن يعم فإن عين قطع رحم خاص وصل رحم آخر له ففي قطعه وصل وما في وصله قطع فيشفع الموصول من الأرحام والشفاعة مقبولة ويقيم الوزن على المقطوع بالتعريف فإنه لا بد أن يكون أيضا ذلك المقطوع قد قطع رحما له فإذا طلب ممن قطع صلة الرحم عنه يقول له الحق كما آخذ لك آخذ منك ويعلمه بأنه أيضا قد قطع رحما له فيسأل الله العفو والتجاوز فيقول الله له فاعف أنت عن قاطع رحمه فيك حتى أعفو عنك فبالضرورة يقول قد عفوت لأن ذلك الموطن يطلب من الخائف طلب العفو فيعفو فيعفو الله عنه فتناله رحمة الله بعفو هذا ويوصل رحم آخر له فيشفع فيه وهذا معنى قول الله عز وجل يوم القيامة شفعت الملائكة وشفع النبيون والمؤمنون وبقي أرحم الراحمين فيكون منه في عباده ما ذكرناه وأمثاله من كل ما يستدعي الرحمة فإن رحمة الله سبقت غضبه فهي إمام الغضب فلا يزال غضب الله يجري في شأوه بالانتقام من العباد حتى ينتهي إلى آخر مداه فيجد الرحمة قد سبقته فتتناول منه العبيد المغضوب عليهم فتنبسط عليهم ويرجع الحكم لها فيهم والمدى الذي يعطيه الغضب هو ما بين الرحمن الرحيم الذي في البسملة وبين الرحمن الرحيم الذي بعد قوله الحمد لله رب العالمين فالحمد لله رب العالمين هو المدى فأوله الرحمن الرحيم وانتهاؤه الرحمن الرحيم وإنما كان الحمد لله رب العالمين عين المدى فإن في هذا المدى تظهر السراء والضراء ولهذا كان فيه الحمد وهو الثناء ولم يقيد بضراء ولا سراء في هذا المدى لأنه يعم السراء والضراء فكان رسول الله ص يقول في السراء الحمد لله المنعم المفضل وفي الضراء الحمد لله على كل حال فحمد الله قد جاء في السراء والضراء فلهذا كان عين المدى وما من أحد في الدار الآخرة إلا وهو يحمد الله ويرجو رحمته ويخاف عذابه واستمراره عليه فجعل الله عقيب قوله الحمد لله رب العالمين قوله الرحمن الرحيم فالعالم بين هذه الرحمة ورحمة البسملة بما هو عليه من محمود ومذموم وهذا شبيه بما جاء في سورة ألم نشرح قوله تعالى إن مع العسر يسرا ثم إن مع العسر يسرا ولقد أنشد بعضهم في هذا إذا ضاق بك الأمر * ففكر في ألم نشرح * فعسر بين يسيرين * إذا ذكرته فافرح لأنه سبحانه نكر اليسر وأدخل الألف واللام اللتين للعهد والتعريف على العسر أي هذا العسر الثاني هو عين الأول وليس ذلك في اليسر وهو تنبيه عجيب من الله لعباده ليقوى عندهم الرجاء والطمع في رحمة الله فإنه أرحم الراحمين فإنه إن لم يزد على عبيده في الرحمة بحكم ليس لهم فما يكون أرحم الراحمين وهو أرحم الراحمين بلا شك فوالله لا خاب من