ابن عربي

541

الفتوحات المكية

تحول لهم في العلامة التي يعرفونه بها يقولون له أنت ربنا وهو كان الذي أنكروه وتعوذوا منه وهو الذي أقروا به واعترفوا فما هو هذا الحجاب الذي حصل لهم مع الشهود هل هو أمر وجودي أو حكم عدمي فهو مشهود محجوب ولا حجاب وجودي ولا حكم للعدم في الموجود فانظر ما أخفى هذا وليس في العالم في الدنيا واقع إلا هذا في جميع الأمور والناس في غفلة عنه كما أنا نؤمن أن الملك معنا والشيطان معنا والحجب المحسوسة ما هي موجودة عندنا وأعيننا ناظرة ومع هذا فلا ندرك الملك ولا الجان وهو يرانا وقبيله من حيث لا نراه فهو وقبيله يرانا شهودا عينيا ونحن نراه إيمانا لا عينا فما هو هذا الستر الذي بيننا إذ لو كان بيننا لحجبهم عنا كما يحجبنا عنهم فلا بد من تعيين حكمة في ذلك وكذلك الحجب التي ذكر الله عن نفسه التي بيننا وبينه من نور وظلمة فمن الظلمة وقع التنزيه فنفينا عنه صفات المحدثات فلم نره فنحن جعلنا الحجب على أعيننا بهذا النظر والنور كظهوره لنا حتى نشهده وننكر أنه هو كما قدمنا في التجلي في القيامة وهو عند العارفين اليوم في الدنيا على هذا الحكم فيشهده العارفون في صور الممكنات المحدثات الوجود وينكره المحجوبون من علماء الرسوم ولهذا يسمى بالظاهر في حق هؤلاء العارفين والباطن في حق هؤلاء المحجوبين وليس إلا هو سبحانه وتعالى فأهل الله الذين هم أهله لم يزالوا ولا يزالون دنيا وآخرة في مشاهدة عينية دائمة وإن اختلفت في الصور فلا يقدح ذلك عندهم فإن قال قائل فموسى أحق بهذا الصفة من الولي وقد سأل الرؤية قلنا له قد ثبت عندك إن كنت مؤمنا وإن لم تكن من أهل الكشف إن النبي ص قد أخبر أن الله يتجلى في صورة ويتحول إلى صورة وأنه يعرف وينكر إن كنت مؤمنا لا تشك في هذا وأنه قد بين أن التجلي في الصور بحسب قدر المتجلي له فإذا علمت هذا تعلم أن موسى قد رأى الحق بما هو متجل للأولياء إذ علم أنه يتجلى للأولياء في صور مختلفة لأن موسى ولي الله وقد علم ذلك ومثل هذا فلا يخفى وإنما سأل التجلي في الصورة التي لا يدركها إلا الأنبياء ومن الأنبياء من خصه الله بمقام لم ينله غيره كالكلام بارتفاع الوسائط لموسى ع فطلب موسى ع من ربه أن يراه في تلك الصورة التي يطلبها مقامه وأما رؤيته إياه في الصورة التي يراها الأولياء فذلك خبره وديدنه وما جعلك تقول مثل هذا على طريق الاعتراض إلا لكونك لست بولي عارف إذ لو كنت من العارفين لشهدته ولم يغب عنك علم ما انفصلنا به في جواب سؤالك فصح قوله إن في الجنة ما لا عين رأت أي في الستر اعتبارا لا تفسيرا إذ لو رأته عين ما كان مستورا ولو رأته لنطقت به وكان مسموعا ولو كان مسموعا لكان محدودا ولو كان محدودا لأخطرته فكان معلوما فهو أمر حجبنا عنه بحجاب لا يعرف فإنه في الستر المعبر عنه بالجنة فإذا كان عينه عين الستر فما حجبنا إلا جعلنا ما رأيناه سترا فتعلقت الهمة بما خلف الستر وهو المستور فأتى علينا منا وما جعلنا في ذلك إلا التنزيه ولهذا جاءت الأنبياء ع مع التنزيه بنعوت التشبيه لتقرب الأمر على الناس وتنبيه الأقربين إلى الله الذين هم في عين القرب مع الحجاب الذي هو الأمر عليه فيكون في ذلك التنبيه بالتشبيه رفع الأغطية عن البصر فيتصف البصر بأنه حديد كما يتصف بصر المحتضر قال تعالى فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد فيرى المحتضر ما لا يراه جلساؤه ويخبر جلساءه ما يراه ويدركه ويخبر عن صدق والحاضرون لا يرون شيئا كما لا يرون الملائكة ولا الروحانيين الذين هم معه في مجلس واحد وقد أخبرنا الله بأن الملائكة تحضر مجالس الذكر وهم السياحون في طلب هذه المجالس فإذا رأوا مجلس الذكر نادى بعضهم بعضا هلموا إلى بغيتكم وليس أحد من البشر من أهل ذلك المجلس يدركهم إلا من رفع الله الغطاء عن بصره فأدركهم وهم أهل الكشف ألم تستمع لقول النبي ص اللذين يمشون خلف الجنائز ركابا ألا تستحيون أن الملائكة تمشي على أقدامها في الجنازة وأنتم تركبون فالمؤمن ينبغي أن يعامل المواطن بما يعامله به صاحب العيان وإلا فليس بمؤمن حقا فإن لكل حق حقيقة وليست الحقيقة التي لكل حق إلا إنزاله منزلة المشهود المدرك للبصر وقد قال هذا رسول الله ص للرجل الذي سمعه يقول أنا مؤمن حقا فقال له رسول الله ص إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال الرجل كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا يعني يوم القيامة فقال له رسول الله ص عرفت فالزم ففسر الحقيقة بالنظر والرؤية وجعله بكأن لأن يوم القيامة