ابن عربي
391
الفتوحات المكية
وما قرن الله قط بالمآب إليه سوء تصريحا وغاية ما ورد في ذلك في معرض التهديد في الفهم الأول وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فسيعلمون من كرم الله ما لم يكونوا يحتسبون قبل المؤاخذة لمن غفر له وبعد المؤاخذة لانقطاعها عنهم فرحمته واسعة ونعمته سابغة جامعة وأنفس العالم فيها طامعة لأنه كريم من غير تحديد ومطلق الجود من غير تقييد ولذلك حشر العالم يوم القيامة كالفراش المبثوث لأن الرحمة منبثة في المواطن كلها فأنبث العالم في طلبها لكون العالم على أحوال مختلفة وصور متنوعة الوجوه فتطلب بذلك الانبثاث من الله الرحمة التي تذهب منه تلك الصورة التي تؤديه إلى الشقاء فهذا سبب انبثاثهم في ذلك اليوم وكذلك الجبال الصلبة تكون كالعهن المنفوش لما خرجت عنه من القساوة إلى اللين الذي يعطي الرحمة بالعباد ولا يدري ما قلناه إلا أهل الشهود والمتحققون بحقائق الوجود وأما من بقي مع ثقليته فإن الثقلين ما سماهما الله بهذا الاسم إلا ليميزهما به عمن سواهما دائما حيث كانا فلا تزال أرواحهما تدبر أجساما طبيعية وأجسادا دنيا وبرزخا وآخرة وكذلك منازلهما التي يسكنونها من جنس نشأتهما فما لهما نعيم إلا بالمشاكل لطبعهما وأما القائلون بالتجريد فهم مصيبون فإن النفس الناطقة مجردة في الحقيقة عن هذه الأجسام والأجساد الطبيعية وما لها فيها إلا التدبير غير أنهم ما عرفوا إن هذا التدبير لهذه النفوس دائما أبدا فهم مصيبون من هذا الوجه إن قصدوه مخطئون إن قالوا بأنها تنفصل عن التدبير فالنفوس الناطقة عندنا متصلة بالتدبير منفصلة بالذات والحد والحقيقية الشخصية فلا متصلة ولا منفصلة والتدبير لها ذاتي كمثل الشمس فإن لها التدبير الذاتي فيما تنبسط عليه أنوار ذاتها غير إن الفرق بين الشمس والقمر والكواكب وأكثر الأسباب التي جعل الله فيها مصالح لعالم لذاتها لا علم لها بذلك والنفوس الناطقة وإن كان تدبيرها ذاتيا فهي عالمة بما تدبره فالنفوس الفاضلة منها التي لها الكشف تطلع على جزئيات ما هي مدبرة لها بذاتها وغير الفاضلة لا تعلم بجزئيات ذلك وقد تعلم ولا تعلم أنها تعلم وهكذا كل روح مدبرة فمن له التدبير للعالم هو الأعلم بجزئيات العالم وهو الله تعالى العالم بالجزء المعين والكل مع التدبير الذاتي الذي لا يمكن إلا هو فالنفوس السعيدة مراكبها النفوس الحيوانية في ألذ عيش وأرغده يوم القيامة أعطاها ذلك الموطن كما أنها في أشد ألم وأضيق حبس إذا شقيت وحبست في المكان الضيق كما قال تعالى وإذا ألقوا منها يعني من جهنم مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا هذه الأحوال للنفوس الحيوانية والنفوس الناطقة ملتذة بما تعلمه من اختلاف أحوال مراكبها لأنها في مزيد علم بذلك إلهي مناسب ألا ترى ذوقا هنا في شخصين لكل واحد منهما نفس ناطقة ونفس حيوانية فيطرأ على كل واحد من الشخصين سبب مؤلم فيتألم به الواحد ويتنعم به الآخر لكون الواحد وإن كان ذا نفس ناطقة فحيوانيته غالبة عليه فتبقى النفس الناطقة منه معطلة الآلة الفكرية النظرية والآخر لم تتعطل نفسه الناطقة عن نظرها وفكرها ومشاهدتها ومن أين قام بنفسها الحيوانية ذلك الأمر المؤلم حتى يوصلها ذلك إلى السبب الأول فتستغرق فيه فتتبعها في ذلك النفس الحيوانية فيزول عنها الألم مع وجود السبب وكلا الشخصين كما قلنا ذو نفس ناطقة وسبب مؤلم فارتفع الألم في حق أحد الشخصين ولم يرتفع في حق الآخر فإن الحيوان بنور النفس الناطقة يستضئ فإذا صرفت النفس الناطقة نظرها إلى جانب الحق تبعها نورها كما يتبع نور الشمس الشمس بغروبها وأفولها فتلتذ النفس الحيوانية بما يحصل لها من الشهود لما لم تره قبل ذلك فلا ألم ولا لذة إلا للنفوس الحيوانية إن كان كما ذكرناه فهي لذة علمية وإن كان عن ملائمة طبع ومزاج ونيل غرض فلذة حسية والنفس الناطقة علم مجرد لا يحتمل لذة ولا ألما ويطرأ على الإنسان الذي لا علم له بالأمر على ما هو عليه في نفسه تلبيس وغلط فيتخيل إن النفس الناطقة لها التذاذ بالعلوم حتى قالوا بذلك في الجناب الإلهي وإنه بكماله مبتهج فانظر بذلك يا أخي ما أبعد هؤلاء من العلم بحقائق الأمور وما أحسن قول الشارع من عرف نفسه عرف ربه فلم ينسب إليه إلا ما ينسبه لنفسه فتعالى الله عز وجل عن أن يحكم عليه حال أو محل بل لله الأمر من قبل ومن بعد عصمنا الله وإياكم من الآفات وبلغ بنا أرفع الدرجات وأبعد النهايات ( الوصل الخامس عشر ) من خزائن الجود وهو ما تخزنه الأجسام الطبيعية من الأنوار التي بها يضئ كونها وإن