ابن عربي
301
الفتوحات المكية
فإنه لا ذوق له في الألوهة ولا خبرة له بها فما عنده منها إلا الأسماء خاصة فاسأل الله عن الله واسئل العبد عن العبودة فنسبة العبودة للعبد نسبة الألوهة لله فإخبار الحق عن العبودة اخبارا له وإخبار العبد عن الألوهة إخبار عبد ولذلك ورد من عرف نفسه عرف ربه فيعرف نفسه معرفة ذوق فلا يجد في نفسه للألوهة مدخلا فيعلم بالضرورة أن الله لو أشبهه أو كان مثلا له لعرفه في نفسه وعلم بافتقاره أن ثم من يفتقر إليه ولا يمكن أن يشبهه فعرف ربه أنه ليس مثله وإن كان الله قد أقامه خليفة وأوجده على الصورة فيخاف ويرجى ويطاع ويعصى فقد بينا معنى ذلك في هذه الآثار من هذا الباب وأما الأثر التاسع وهو قوله في خلق السماوات والأرض إنه ما خلقهما إلا بالحق أي ما خلقهما إلا له تعالى جده وتبارك اسمه لأنه قال وإن من شئ إلا يسبح بحمده فما خلق العالم إلا له تعالى ولذلك قال فيمن علم أنه جعل في نشأته عزة وهما الجن والإنس وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي ليتذللوا إلي لما ظهر فيهما من العزة ودعوى الألوهة والإعجاب بنفوسهم فمن لطف الله بهم أن ينبههم على ما أراد بهم في خلقه إياهم فمن تنبه كان من الكثير الذي يسجد لله ومن لم يتنبه كان من الكثير الذي حق عليه العذاب وأما قوله في هذه الآية وما خلقت الجن والإنس قد يريد به الإنسان وحده من حيث ما له ظاهر وباطن فمن حيث ما له ظاهر هو أنس من آنست الشئ إذا أبصرته قال تعالى في حق موسى إخبارا عنه إني آنست نارا أي أبصرت والجن باطن الإنسان فإنه مستور عنه فكأنه قال وما خلقت ما ظهر من الإنسان وما بطن إلا ليعبدون ظاهرا وباطنا فإن المنافق يعبده ظاهرا لا باطنا والمؤمن يعبده ظاهرا وباطنا والكافر المعطل لا يعبده لا في الظاهر ولا في الباطن وبعض العصاة يعبده باطنا لا ظاهرا وما ثم قسم خامس وما أخرجنا الجن الذين خلقهم الله من نار من هذه الآية وجعلناها في الإنسان وحده من جهة ما ظهر منه وما استتر إلا لقول الله لما ذكر السجود أنه ذكر جميع من يسجد له ممن في السماوات ومن في الأرض وقال في الناس وكثير من الناس فما عمهم ودخل الشياطين في قوله من في الأرض وذلك أن الشيطان وهو البعيد من الرحمة يقول للإنسان إذا أمره بالكفر فكفر إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين فأبان الله لنا عن معرفة الشيطان بربه وخوفه منه فلذلك كان صرف الجن في هذه الآية إلى ما استتر من الإنسان أولى من إطلاقه على الجان والله أعلم وأما الأثر العاشر فهو ما ظهر في العالم من إبانة الرسل المترجمين عن الله ما أنزل الله على عباده مع إنزال كتبه فما اكتفى بنزول الكتب الإلهية حتى جعل الرسل تبين ما فيها لما في العبارة من الإجمال وما تطلبه من التفصيل ولا تفصل العبارة إلا بالعبارة فنابت الرسل مناب الحق في التفصيل فيما لم يفصله وأجمله وهو قوله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم بعد تبليغه ما أنزل إلينا وهذه حقيقة سارية في العالم ولولاها ما شرحت الكتب ولا ترجمت من لسان إلى لسان ولا من حال إلى حال قال تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وهو ما أنزله خاصة وأما ما فصله الرسول وأبان عنه فهو تفصيل ما نزل لا عين ما نزل ويقع البيان بعبارة خاصة ويعقل بأي شئ كان وأما الأثر الحادي عشر والثاني عشر فهما المرتبتان من المراتب الثلاثة التي ذكرناها في أول هذه لآثار وهما مرتبة الاتصال بالحق ومرتبة السبب الرابط بين الأمرين وقد تقدم فلنذكر ما في هذا المنزل من العلوم إن شاء الله فمن ذلك علم السبب الموجب لبقاء المؤمن في النعيم في دار النعيم وفيه علم أسباب الفوز والنجاة من الجهل الذي هو شر الشرور وفيه علم ما يستحقه الموطن من الأمور التي تكون بها السعادة للإنسان وقد تظهر في موطن آخر ولا تعطي سعادة وفيه علم كل ما ثبت عينه هل يسقط حكمه أو لا يسقط إلا حكم بعض ما ثبت عينه أو لا يسقط له حكم على الإطلاق بل يسقط عنه حكم خاص لا كل حكم فهل يشتغل بما سقط حكمه أو لا يشتغل به كلغو اليمين فإن الكفارة سقطت عنه في الحنث وفيه علم ما يظهر من الزيادة إذا أضيف الفعل إلى المخلوق بوجه شرعي يوجب ذلك أو كرم خلق عقلي وفيه علم الملأ والخلاء وفيه علم فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي وفيه علم التعدي في حدود الأشياء وهل الحد داخل في المحدود فلا يكون تعديا وإذا دخل كيف صورة دخوله والفرق بين قوله وأيديكم إلى المرافق وقوله أتموا الصيام إلى الليل وهذا حد بكلمة معينة تقتضي في الواحد خروج الحد من المحدود وفي الآخر دخول الحد في المحدود وينبغي هذا على معرفة الحد في نفسه ما هو فإن للحد حدا ولا يتسلسل وفيه علم العهود والأمانات وما هي الأمانات