ابن عربي
251
الفتوحات المكية
العبد إلا بالإيمان فله النور الساطع بل هو النور الساطع الذي يزيل كل ظلمة فإذا عبده على الشهادة رآه جميع قواه فما قام بعبادته غيره ولا ينبغي أن يقوم بها سواه فما ثم من حصل له هذا المقام إلا المؤمن الإنساني فإنه ما كان مؤمنا إلا بربه فإنه سبحانه المؤمن واعلم إنك إذا لم تكن بهذه المنزلة وما لك قدم في هذه الدرجة فإنا أدلك على ما يحصل لك به الدرجة العلياء وهو أن تعلم أن الله ما خلق الخلق على مزاج واحد بل جعله متفاوت المزاج وهذا مشهود بالبديهة والضرورة لما بين الناس من التفاوت في النظر العقلي والايمان وقد حصل لك من طريق الحق أن الإنسان مرآة أخيه فيرى منه ما لا يراه الشخص من نفسه إلا بوساطة مثله فإن الإنسان محجوب بهواه متعشق به فإذا رأى تلك الصفة من غيره وهي صفته أبصر عيب نفسه في غيره فعلم قبحها إن كانت قبيحة أو حسنها إن كانت ذات حسن واعلم أن المرائي مختلفة الأشكال وأنها تصير المرئي عند الرائي بحسب شكلها من طول وعرض واستواء وعوج واستدارة ونقص وزيادة وتعدد وكل شئ يعطيه شكل تلك المرآة وقد علمت إن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم وكل شخص منهم قبل من الرسالة قدر ما أعطاه الله في مزاجه من التركيب فما من نبي إلا بعث خاصة إلى قوم معينين لأنه على مزاج خاص مقصور وإن محمدا ص ما بعثه الله إلا برسالة عامة إلى جميع الناس كافة ولا قبل هو مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج عام يحوي على مزاج كل نبي ورسول فهو أعدل الأمزجة وأكملها وأقوم النشآت فإذا علمت هذا وأردت أن ترى الحق على أكمل ما ينبغي أن يظهر به لهذه النشأة الإنسانية فاعلم إنك ليس لك ولا أنت على مثل هذا المزاج الذي لمحمد ص وأن الحق مهما تجلى لك في مرآة قلبك فإنما تظهره لك مرآتك على قدر مزاجها وصورة شكلها وقد علمت نزولك عن الدرجة التي صحت لمحمد ص في العلم بربه في نشأته فالزم الايمان والاتباع واجعله أمامك مثل المرآة التي تنظر فيها صورتك وصورة غيرك فإذا فعلت هذا علمت إن الله تعالى لا بد أن يتجلى لمحمد ص في مرآته وقد أعلمتك أن المرآة لها أثر في ناظر الرائي في المرئي فيكون ظهور الحق في مرآة محمد ص أكمل ظهور وأعدله وأحسنه لما هي مرآته عليه فإذا أدركته في مرآة محمد ص فقد أدركت منه كمالا لم تدركه من حيث نظرك في مرآتك ألا ترى في باب الايمان وما جاء في الرسالة من الأمور التي نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحيله العقول ولولا الشرع والايمان به لما قبلنا من ذلك من حيث نظرنا العقلي شيئا البتة بل نرده ابتداء ونجهل القائل به فكما أعطاه بالرسالة والايمان ما قصرت العقول التي لا إيمان لها عن إدراكها ذلك من جانب الحق كذلك قصرت أمزجتنا ومرائي عقولنا عند المشاهدة عن إدراك ما تجلى في مرآة محمد ص أن تدركه في مرآتها وكما آمنت به في الرسالة غيبا شهدته في هذا التجلي النبوي عينا فلولاه ولولانا * لما كان الذي كانا ولا جاءت رسالات * من الرحمن مولانا بأخبار وأحكام * وسمي ذاك تبيانا وتوراة وإنجيلا * وفرقانا وقرآنا وسماه أولو الألباب * بالأفكار برهانا وثلث ذاك إسلاما * وإيمانا وإحسانا فسبحان الذي أسرى * به ليراه محسانا وخص بصورة الرحمن * من سماه إنسانا وجاءت رسله تترى * زرافات ووحدانا وأعطانا وحابانا * هنا ما شاء كتمانا وجنات وأنهارا * وروحا ثم ريحانا وكشفا ثم إشهادا * وإسرارا وإعلانا