ابن عربي
231
الفتوحات المكية
ثم قيل له إن كنت وارثا فلا ترث إلا الحق فقال وكيف يورث الحق فقال إذا أشهدك الحق غناه عن العالمين فقد تركهم فهذه تركة إلهية لا يرثها إلا أنت إن كنت صاحب هذا الشهود فتعرف من هذا الورث ما لم تكن تعرفه قبله من العالم ثم قيل له لا تخلط بين الأمور وأنزل كل شئ حيث أنزلته حقيقته فلا تقل ما ثم إلا الله ولو كان كذلك وهو كذلك أليست المراتب المعقولة قد ميزت بين كونه كذا وكونه كذا والعين واحدة كما تقول ولكن هو من كذا أمر ومن كذا أمر آخر وأراك تحس بالألم وتهرب منه فما الذي دعاك إلى ما منه تهرب وأراك تحس باللذة وأراك فاقدا ما كنت تطلب فبهذا القدر أثبت عينك واعرف أينك فعلى كل حال الكثرة موجودة والأغيار مشهودة وعالم وجاهل وأمر ومأمور وحاكم ومحكوم عليه ومحكوم به ومحكوم فيه ومريد ومراد وتخيير وجبر وفاصل ومفصول وواصل وموصول وقريب وأقرب ووعد ووعيد فالفائدة في مخاطب ومخاطب وخطاب ومخاطب به الإنسان واحد بجملته وأعضاؤه متميزة وقواه متعددة وهو هو لا غير فأي شئ تألم منه سرى الألم في كله وترى شخصا يتألم وآخر يسر بألمه وآخر يحزن لذلك فلو كان الأمر واحدا كما هو في الإنسان لسرى الألم في العالم بأسره إذا تألم منه واحد فليس الأمر كما تخيلته إذا كشف الغطاء علمت ما أقول فانصح نفسك إن أردت أن تلحق بالعلماء بالله الذين أسعدهم الله فالظاهر لله والباطن كالروح والجسد فكما لا يفترقان كذلك لا يفترقان فما الأمر إلا عبد ورب فما هو إلا أنت وهو فالطائع مهتد والعاصي حائر بين ما أريد منه وما أمر به واعلم أن الله لما أنكح العقل النفس لإظهار الأبناء لا لحصول لذة الابتناء أسكنها أرض الطبيعة فأثرت في مزاجها إذ كانت الأرض تقلب ما يزرع فيها إلى طبيعتها اجعل بالك إلى قوله تعالى تسقى بماء واحد والأرض واحدة وتختلف الطعوم والروائح والألوان فإن قلنا في العسل إنه حلو لذيذ فترى بعض الأمزجة تتألم به ولا تلتذ وتجده مرا وكذلك الروائح والألوان فرأينا هذا الاختلاف يرجع إلى الإدراكات لا إلى الأشياء فرأيناها نسبا لا حقيقة لها في أعيانها إلا من حيث جوهرها ثم قيل له قف عند الإضافات والنسب تعثر على الأمر على ما هو عليه ثم قيل له إذا إيه الله بك فاعلم من أين نوديت وأين كنت ولما ذا دعيت ومن دعاك وما دعاك فكن بحسب ما ينتج لك ما ذكرته ثم قيل له السعادة في الايمان لا في العلم والكمال في العلم فإن جمعت بينهما فأنت إذا أنت ما فوقك غاية ثم قيل له هذه حضرة الأخبار فاجعل بالك لكل خبر يأتيك فيها فإنك إن فقدتها لم تنل في غيرها ما تنال فيها وفيها من العلوم ما أذكره لك إن شاء الله فمن ذلك علم من أين صدر الأمر والنهي وجميع الأحكام والنواميس الوضعية والإلهية وفيه علم التنبيه على حقائق الأشياء بالتصريح والتضمن والإيماء وفيه علم خلق باطن الإنسان دون ظاهره وكم إنسان في الوجود فإذا علمت أنه ما في الوجود إلا ثلاثة أناسا الإنسان الأول الكل الأقدم والإنسان العالم والإنسان الآدمي فانظر ما هو الأتم من هؤلاء الثلاثة وفيه علم ما لا يعلم إلا بالإيمان وفيه علم الموازنة وفيه علم ما يؤثره القصد في الأمور مما لا يقصد وفيه علم الالتحام وفيه علم الدواوين الإلهية والكتاب والعمال والمتصرفين وفيه علم الشروط والشهادات والقضايا المبثوثة في العالم وفيه علم محاسبة الديوان العمال وفيه علم الحركة والسكون وفيه علم الإطلاق الذي لا تقييد فيه فإذا علمه من علمه تقيد فيه وفيه علم الميل والاعتدال وبأيهما يقع التكوين وفيه علم الخواص في الإنسان وهي الطبيعة المجهولة وفيه علم الإهمال والإمهال ومن يتولى ذلك من الأسماء وقوله قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم وفيه علم المحاربة الإلهية وفيه علم المنع الإلهي وهو يناقض الجود المطلق هل اقتضاه من اقتضائه لذاته أو لأمر آخر وفيه علم عصمة الرسل وفيه علم تنوع العالم من أين قبله وما صدر فيما يعطيه الدليل العقلي إلا ممن لا يقبل التنوع وفيه علم الأنبياء والأولياء والعقلاء والفروق بين هؤلاء وفيه علم حكمة التقديم والتأخير الزماني والوجودي والمكاني والرتب وفيه علم القبول والرد وفيه علم ما يجده الحيوان من الخوف هل هو أمر طبيعي أم إلهي ووصف الملائكة بالخوف ولما خافت الملائكة ربها من فوقها فإنه لا يخاف تعالى إلا لما يكون منه مما فوق الملائكة من الأسباب المخيفة وأي الملائكة هم الموصوفون بالخوف هل كلهم أو جنس منهم وفيه علم تدبير الروح الواحدة نفوسا كثيرة ومن هنا تعرف النشأة الآخرة وفيه علم تعظيم العقوبة على المقرب صاحب الرتبة العلياء ولماذا لم تحمه رتبته عن العقوبة والفرق بين العقوبة والعذاب والألم والآلام وفيه علم ما جبلت عليه النفوس من النزاع والمخالفات وفيه