ابن عربي
191
الفتوحات المكية
فإن القوة الإلهية محلها الممكنات على الإطلاق والقوة الحادثة محلها بعض الممكنات فإذا حصرت أجناس العالم الممكن وسميت ما للقوة من الممكنات علمت على القطع مقدار ذلك من القوة الإلهية وفيه علم الفرق بين التسخير العالم والتسخير الخاص وهل كون الحق كل يوم وفي شأن وسنفرغ لكم هل هو من علم التسخير وبابه أو هو من حقيقة أخرى فإن السيد بصورة الحال يقوم بما يحتاج إليه بعده فهو تسخير دقيق يعطى كمالا في السيد فإن العبد ليست منزلته أن يسخر سيده ومنزلة العبد أن يكون مسخرا تحت تسخير سيده بالحالين تسخير بأمر سيده وتسخير بنفسه من ذاته لكونه عبدا وقد يسخر لغير سيده من أمثال سيده ومن أمثاله بطرق مختلفة منها ما يكون تسخيره لذلك الغير عن أمر سيده ومنها ما يكون بطريق المروءة مع المسخر له بفتح الخاء ومنه ما يكون عادة لاستصحاب التسخير له من كونه عبدا فصار له ذلك ديدنا يحكم عليه فيتسخر لغير سيده بحكم العادة لا بالمروءة ولا بأمر السيد وفيه علم نظر العالم كله إلى هذا الإنسان هل ينظر إليه من كونه خليفة أو ينظر إليه من حيث ما عنده من الأمانات له ليؤدبها إليه فهو مرسل من الحق بحكم الجبر لا بحكم الاختيار لأنه ما خلق بالأصالة إلا لتسبيح خالقه وفيه علم ما تقع به العناية الإلهية للعبد وما يعطيه ذلك الاعتناء من المنزلة والعلم وفيه علم الإجمال والتفصيل وفيه علم دقيق وهو أن آدم ع أعطى لداود من عمره ستين سنة حين رأى صورته بين إخوته فأحبه فقبل ذلك داود فجحد آدم بعد ذلك ما أعطاه فانكسر قلب داود عند ذلك فجبره الله بذكر لم يعطه آدم فقال في آدم إني جاعل في الأرض خليفة وما عينه باسمه ولا جمع له بين أداة المخاطب وبين ما شرفه به فلم يقل له وعلمتك الأسماء كلها وقال في خلافة داود يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فسماه فلما علم الله أن مثل هذا المقام والاعتناء يورثه النفاسة على أبيه آدم فإنه على كل حال بشر يكون منه ما يكون من البشر وما عرف قدر هذا إلا رسول الله ص فقال إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر يعني لنفسه ولحق غيره وأرضى كما يرضى البشر يعني لنفسه ولغيره وكان هذا من التأديب الإلهي الذي أدبه به ربه تعالى فيما أوحى به إليه فقال له قل إنما أنا بشر مثلكم أي حكم البشرية في حكمها فيكم فلما أراد الله تأديب داود لما يعطيه الذكر الذي سماه الله به من النفاسة على أبيه ولا سيما وقد تقدم من أبيه في حقه ما تقدم من الجحد لما أمتن به عليه لكون الإنسان إذا مسه الخير منوعا غير إن آدم ما جحد ما جحده إلا لعلمه بمرتبته حيث جعله الله محلا لعلم الأسماء الإلهية التي ما أثنت الملائكة على الله بها ولم تعط بعده إلا لمحمد ص وهو العلم الذي كني عنه بأنه جوامع الكلم فعلم آدم أن داود في تلك المدة التي أعطاه من عمره لا يمكن أن يعبد الله فيها إلا على قدر كما له وهو أنقص من آدم في المرتبة بلا شك لسجود الملائكة وما علمهم من الأسماء فطلب آدم أن يكون له العمر الذي جاد به على ابنه داود ع ليقوم فيه بالعبادة لله على قدر علو مرتبته على ابنه داود وغيره مما لا يقوم بذلك داود فإذا قام بتلك العبادة في ذلك الزمان المعين وهب لابنه داود أجر ما تعطيه تلك العبادة من مثل آدم ولو ترك تلك المدة لداود لم تحصل له رتبة هذا الجزاء وحصل لآدم ع من الله على ذلك رتبة جزاء من آثر على نفسه فإنه يجري بجزاء مثل هذا لم يكن يحصل له لو لم يكن ترك تلك المدة لداود فكما أحبه في القبضة حين أعطاه من عمره ما أعطاه كذلك من حبه رجع في ذلك ليعطيه جزاء ما يقع في تلك المدة من آدم من العمل ولا علم لداود بذلك فلما جبره الله بذكر اسمه في الخلافة قال له من أجل ما ذكرناه من تطرق النفاسة التي في طبع هذه النشأة وإليه لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله فحذره فشغله ذلك الحذر عن الفرح بما حصل له من تعيين الله له باسمه ولكن قد حصل له الفرح وأخذ حظه منه قبل إن يصل إليه زمان ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله لا عن الله فأمر بمراقبة السبيل ثم تأدب الله معه حيث قال له إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا ولم يقل فإنك إن ضللت عن سبيل الله لك عذاب شديد وهذا علم شريف وفي هذا المنزل علم أصحاب الكشف أنه ليس من حقيقة الكشف أن يعلمه المكاشف في كل صورة بل ذلك على قدر ما يريده الحق فيستر عنه ما شاء ويطلعه على ما شاء فليس من شأن المكاشف نفوذ بصره في كل صورة تتجلى له بل تقوم له تلك الصورة التي لا يدري ما هي مقام كثافة الصورة عن إدراك الحس البشري لما خطر في