ابن عربي
161
الفتوحات المكية
من تنسب إليه فلذلك قلنا فيه إنه أم الكتاب الذي عنه خرجت الكتب المنزلة واختلفت الألسنة به لقبوله إياها بحقيقته فقيل فيه إنه عربي وإنه عبراني وإنه سرياني بحسب اللسان الذي أنزل به وهذا هو عين الجعل في القرآن وعين نسبة الحدوث إليه في قوله ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث فهو محدث الإتيان وما هو الإتيان عين الإنزال كما أنه ليس بعين الجعل والجعل يكون بمعنى الخلق وبغيره فما ينسب إلى القرآن من قوله محدث فهو من حكم الجعل الذي بمعنى الخلق فلا فرق بين قوله ثم جعلناه نطفة في قرار مكين وبين قوله إنا جعلناه قرآنا عربيا في الحكم واعلم أن تحقيق عندية كل شئ راجعة إلى نفسه ولهذا قال ما عندكم ينفد فإن حكمكم النفاد وما عند الله باق فإنه له البقاء فلو كانت عندية الشئ غير نفس الشئ ما نفد ما عندنا لأنا وما عندنا عند الله وما عند الله باق فنحن وما عندنا باق فتبين لك أن عندية كل شئ نفسه والعندية في اللسان ظرف مكان أو ظرف محلي كالجسم للعرض اللوني الذي يدركه البصر فهو أجلي فيما ترومه من الدلالة فهو بحيث محله وصاحب المكان ما هو بحيث المكان والعندية جامعة للامرين ولما لم يمكن في التقليد الضروري أن يجحد أحد من استند إليه في وجوده لذلك أقربه من من شأنه الإنكار والجحود فإن قلت فالمعطلة أنكرت قلنا المعطلة ما أنكرت مستندا وإنما أنكرت وعطلت الذي عينتموه أنتم إنه المستند ما عطلت المستند فقلتم أنتم هو كذا فعطلته المعطلة وقالت بل المستند كذا فكما إن أولئك معطلة أنتم أيضا معطلة تعطيلهم لكن اختص أولئك باسم المعطلة وهم على ضروب في التعطيل محل العلم بذلك وأمثاله العلم بالنحل والملل وهو علم لا ينبغي للمؤمن أن يقرأه ولا ينظر فيه جملة كما يتعين على أهل الله أن يعرفوا علم كل نحلة وملة بالله ليشهدوه في كل صورة فلا يقومون في موطن إنكار لأنه تعالى سار في الوجود فما أنكره إلا محدود وأهل الله تابعون لمن هم له أهل فيجري عليهم حكمه وحكمه تعالى عدم التقييد فله عموم الوجود فلأهله عموم الشهود فمن قيد وجوده قيد شهوده وليس هو من أهل الله واعلم أن الله لما مهد هذه الخليقة جعلها أرضا له فوصف نفسه بالاستواء وبالنزول إلى السماء وبالتصرف في كل وجهة الكون موليها فأينما تولوا فثم وجه الله فول وجهك شطر المسجد الحرام فإنه لا يرفع حكم إن وجه الله حيثما توليت ولكن الله اختار لك ما لك في التوجه إليه سعادتك ولكن في حال مخصوص وهي الصلاة وسائر الأينيات ما جعل الله لك فيها هذا التقييد فجمع لك بين التقييد والإطلاق كما جمع لنفسه بين التنزيه والتشبيه فقال ليس كمثله شئ وهو السميع البصير فالعالم كله أرض ممهدة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا هل ترى من تفاوت فارجع البصر قرآنا عربيا غير ذي عوج والحق صفة العالم لأن صفته الوجود وليس إلا لله ولذلك ورد في الخبر الصحيح كنت سمعه وبصره وهكذا جميع قواه وصفاته فلما كان العالم ظرفا مكانيا لمن استوى عليه ظهر بصورته سئل الجنيد عن المعرفة والعارف فقال لون الماء لون إنائه فجعل الأثر للظرف في المظروف وذلك لتعلم من عرفت فتعلم أنك ما حكمت على معروفك إلا بك فما عرفت سواك فأي لون كان للآباء ظهر الماء للبصر بحسب لون الإناء فحكم من لا علم له بأنه كذا لأن البصر أعطاه ذلك فله التجلي في كل صورة من صور الأواني من حيث ألوانها فلم يتقيد في ذاته الماء ولكن هكذا تراه وكذلك تؤثر فيه أشكال الظروف التي يظهر فيها وهو ماء فيها كلها فإن كان الوعاء مربعا طهر في صورة التربيع أو مخمسا ظهر في صورة التخميس أو مستديرا ظهر في صورة الاستدارة لأن له السيلان فهو يسرى في زوايا الأوعية ليظهر تشكلها فهو الذي حمل الناظرين لسريانه إن يحكموا عليه بحكم الأوعية في اللون والشكل فمن لم يره قط إلا في وعاء حكم عليه بحكم الوعاء ومن رآه بسيطا غير مركب علم إن ما ظهر فيه من الأشكال والألوان إنما هو من أثر الأوعية فهو في الأوعية كما هو في غير وعاء بحده وحقيقته ولهذا ما زال عنه اسم الماء فإنه يدل عليه بحكم المطابقة فهذه الأوعية له كالسبل في الأرض للسالك فيها فينسب السالك في كل سبيل منها إلى أنه طالب غاية ذلك السبيل الذي سلك عليه في أي صورة ما شاء ركبك من صوره فيكون هو الظاهر لا أنت لأن الظهور للصور لا للعين فالعين غيب أبدا والصور شهادة أبدا ثم إنه لما خلق من كل شئ زوجين بين لنا أن في أرض العالم نجدين نجدا تكون غايته أنت عند قوم ونجد عند هؤلاء القوم يكون غايته هو أعني الحق وأما عند قوم آخرين