ابن عربي
121
الفتوحات المكية
يقع به الغذاء للعقلاء فهم أهل الاستعمال لما ينبغي أن يستعمل بخلاف أهل العقول فإنهم أهل قشر زال عنه لبه فأخذه أولو الألباب فعقلوا وما استعملوا ما ينبغي أن يستعملوه لأن العقل لا يستعمل إلا إذا كان قشرا على لب فاستعمال العقل بما فيه من صفة القبول لما يرد من الله مما لا يقبله العقل الذي لا لب له من حيث فكره فلهذا أهل الله هم أهل الألباب لأن اللب غذاء لهم فاستعملوا ما به قوامهم وأهل العقل هم الذين يعقلون الأمر على ما هو عليه إن اتفق وكان نظرهم في دليل فإذا عقلوا ذلك كانوا أصحاب عقل فإن استعملوه بحسب ما يقتضي استعمال ذلك المعقول فهم أصحاب لب وفي اللب لب الدهن إن كنت تعلم وفي الدهن أمداد لمن كان يفهم فمن رزق الفهم من المحدثات فقد رزق العلم وما كل من رزق علما كان صاحب فهم فالفهم درجة عليا في المحدثات وبه ينفصل علم الحق من علم الخلق فإن الله له العلم ولا يتصف بالفهم والمحدث يتصف بالفهم وبالعلم وفي الفهم عن الله يقع التفاضل بين العلماء بالله والفهم متعلقة الإمداد الإلهي الصوري خاصة فإن كان الإمداد في غير صورة كان علما ولم يكن هناك حكم للفهم لأنه لا متعلق له إلا في هذه الحضرة فلهذا يسمى مستفيدا لما استفاده من فهمه إذ لا يصح لمستفيد استفادة من غير حالة الانتقال من محل العالم المعلم إلى محل المتعلم فما استفاد إلا من فهمه فللمعلم إنشاء صور ما يريد تعليمها للطالب المتعلم وللمستفيد الفهم عنه فلو لا قوة الفهم ما استفاد فكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ولا الأحياء ولا الأموات كذلك لا يستوي الأعمى وهو الذي لا يفهم فيعلم ولا البصير الذي يفهم فيعلم كما لا تستوي الحسنة ولا السيئة فلا يستوي الحق والخلق فإنه ليس كمثله شئ فاعلم وهو السميع البصير فأبهم فحير العقول والفهوم بين الإعلام والإبهام غير إن الرحمة لما عمت عاملهم الحق بما أداهم إليه اجتهادهم أصابوا في ذلك أم أخطئوا طريق القصد بالوضع إذ لا خطأ من هذا الوجه في العالم الأعلى ما ذكرناه من إضافة شئ إلى غير ما أضيف إليه في نفس الأمر كمن يطلب الشئ من غير سببه الذي وضع له فله أجر الطلب لا أجر الحصول لأنه لم يحصل فهو طالب في الماء جذوة نار فكان في الإبهام عين المكر الإلهي فالعالم يلحق الفروع بأصولها على بصيرة وكشف والمبهم عليه يلحق الفروع بالأصول فإن وافقت أصولها فبحكم المصادفة وهو يتخيل أنها أصل لذلك الفرع فإذا صادف سمي خيالا صحيحا وإن لم يصادف سمي خيالا فاسدا فلو لا الإبهام ما احتيج إلى الفهم فهي قوة لا تتصرف إلا في المبهمات الممكنات وغوامض الأمور ويحتاج صاحب الفهم إلى معرفة المواطن فإذا كان الميزان بيده الموضوع الإلهي عرف مكر الله وميزه ومع هذا فلا يأمنه في المستقبل لأنه من أهل النشأة التي تقبل الغفلات والنسيان وعدم استحضار العلم بالشئ في كل وقت ولا فائدة في إلحاق الفروع بأصولها إلا أن يكون للفروع حكم الأصول وأصل وجود العالم وجود الحق فللعالم حكم وجود الحق وهو الوجوب من حيث ما هو وجوب ثم كون الوجوب ينقسم إلى وجوب بالذات وإلى وجوب بالغير هذا أمر آخر وكذلك أصل وجود العلم بالله العلم بالنفس فللعلم بالله حكم العلم بالنفس الذي هو أصله والعلم بالنفس بحر لا ساحل له عند العلماء بالنفس فلا يتناهى العلم بها هذا حكم علم النفس فالعلم بالله الذي هو فرع هذا الأصل يلحق به في الحكم فلا يتناهى العلم بالله ففي كل حال يقول رب زدني علما فيزيده الله علما بنفسه ليزيد علما بربه هذا يعطيه الكشف الإلهي وذهب بعض أصحاب الأفكار إلى أن العلم بالله أصل في العلم بالنفس ولا يصح ذلك أبدا في علم الخلق بالله وإنما ذلك في علم الحق خاصة وهو تقدم وأصل بالمرتبة لا بالوجود فإنه بالوجود عين علمه بنفسه عين علمه بالعالم وإن كان بالرتبة أصلا فما هو بالوجود كما تقول بالنظر العقلي في العلة والمعلول وإن تساوقا في الوجود ولا يكون إلا كذلك فمعلوم إن رتبة العلة تتقدم على رتبة المعلول لها عقلا لا وجودا وكذلك المتضايفان من حيث ما هما متضايفان وهو أتم فيما نريد فإن كل واحد من المتضايفين علة ومعلول لمن قامت به الإضافة فكل واحد علة لمن هو له معلول ومعلول لمن هو له علة فعلة البنوة أوجبت للأبوة أن تكون معلولة لها وعلة الأبوة أوجبت للبنوة أن تكون معلولة لها ومن حيث أعيانهما لا علة ولا معلول واعلم أنه مما يتعلق بهذا الباب كون العالم عيالا لله تعالى وبعضه اتخذه أهلا فقال ع في الخبر الوارد عنه إن الخلق عيال الله وأخبر في خبر آخر أن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته والأهلية منزلة خصوص واختصاص من