ابن عربي
101
الفتوحات المكية
هي والأنفال سورة واحدة قسمها الحق على فصلين فإن فصلها وحكم بالفصل فقد سماها سورة التوبة أي سورة الرجعة الإلهية بالرحمة على من غضب عليه من العباد فما هو غضب أبد لكنه غضب أمد والله هو التواب فما قرن بالتواب إلا الرحيم ليؤول المغضوب عليه إلى الرحمة أو الحكيم لضرب المدة في الغضب وحكمها فيه إلى أجل فيرجع عليه بعد انقضاء المدة بالرحمة فانظر إلى الاسم الذي نعت به التواب تجد حكمه كما ذكرناه والقرآن جامع لذكر من رضي عنه وغضب عليه وتتويج منازله بالرحمن الرحيم والحكم للتتويج فإن به يقع القبول وبه يعلم أنه من عند الله هذا إخبار لوارد لنا ونحن نشهد ونسمع ونعقل لله الحمد والمنة على ذلك ووالله ما قلت ولا حكمت إلا عن نفث في روع من روح إلهي قدسي علمه الباطن حين احتجب عن الظاهر للفرق بين الولاية والرسالة والولاية لها الأولية ثم تنصحب وتثبت ولا تزول ومن درجاتها النبوة والرسالة فينا لها بعض الناس ويصلون إليها وبعض الناس لا يصل إليها وأما اليوم فلا يصل إلى درجة النبوة نبوة التشريع أحد لأن بابها مغلق والولاية لا ترتفع دنيا ولا آخرة فللولاية حكم الأول والآخر والظاهر والباطن بنبوة عامة وخاصة وبغير نبوة ومن أسمائه الولي وليس من أسمائه نبي ولا رسول فلهذا انقطعت النبوة والرسالة لأنه لا مستند لها في الأسماء الإلهية ولم تنقطع الولاية فإن الاسم الولي يحفظها ثم إن الله تعالى قدر الأشياء علما ثم أوجدها حكما وجعلها طرفين وواسطة جامعة للطرفين لها وجه إلى كل طرف في تلك الواسطة البرزخية إنشاء الإنسان الكامل فجمع بين التقدير وهو العام وبين الإيجاد وهو خاص مثل قوله فينفخ فيه فيكون طائرا بإذني فهو أحسن الخالقين تقديرا وإيجادا وهذه مسألة غير مجمع عليها من أهل النظر فإنه من لا يرى الفعل إلا الله ثم يفرق بين الحق والخلق بأن يجعل للخلق وجودا في عينه وللحق وجودا في عينه لم يقل أحسن الخالقين إلا تقديرا لا إيجادا ومن أهل الله من يرى ذلك ولكن لا يرى أن في الوجود إلا الله وأحكام أعيان الممكنات في عين وجوده وهذا هو النظر التام الذي لا ينال بالفكر ولكن ينال بالشهود وهو قول النبي ص من عرف نفسه عرف ربه فمن عرف نفسه أنه لم تزل عينه في إمكانها عرف ربه بأنه الموجود في الوجود ومن عرف أن التغييرات الظاهرة في الوجود هي أحكام استعدادات الممكنات عرف ربه بأنه عين مظهرها والناس بل العلماء على مراتب في ذلك فلما أوجد العالم طرفين وواسطة جعل الطرف الواحد كالنقطة من الدائرة وجعل الطرف الآخر كالمحيط للدائرة وإنشاء العالم بين هذين الطرفين في مراتب ودوائر فسمى المحيط عرشا وسمي النقطة أرضا وما بينهما دوائر أركان وأفلاك جعلها محلا لأشخاص أنواع أجناس ما خلق من العالم وتجلى سبحانه تجليا عاما إحاطيا وتجلى تجليا خاصا شخصيا فالتجلي العام تجل رحماني وهو قوله تعالى الرحمن على العرش استوى والتجلي الخاص هو ما لكل شخص شخص من العلم بالله وبهذا التجلي يكون الدخول والخروج والنزول والصعود والحركة والسكون والاجتماع والافتراق والتجاوز ومن يكون بحيث محله وميز العالم بعضه عن بعضه بالمكان والمكانة والصورة والعرض فما ميزه إلا به فهو عين ما تميز وعين ما تميز به فهو مع كل موجود حيث كان بالصورة الظاهرة المنسوبة لذلك الموجود يعلم ذلك كله العلماء بالله من طريق الشهود والوجود فما ميز الغيب من الشهادة فجعل الشهادة عين تجليه وجعل الغيب عين الحجاب عليه فهو شهادة للحجاب لا للمحجوب فمن كان حجابه عين صورته والحجاب يشهد ما وراءه فالصورة من الكون تشهده والمحجوب بصورته عن وجود الحق محجوب فهو من حيث صورته عارف بربه مسبح بحمده ومن حيث ما هو غير صورة أو من خلف الصورة محجوب إما بالصورة أو بشهود نفسه فإن رزقه الله شهود نفسه فقد عرفها فيعرف ربه بلا شك فيكون من أهل الصدور الذين أعماهم الله بشهوده عن شهودهم كما قال ولكن تعمي القلوب وهي أعيان البصائر التي في الصدور أي في الرجوع بعد الورود فهو ثناء فإنه لا يصدر إلا بما شاهد في الورود للقوة الإلهية التي أعطاه الله إياها فمن جميع بين العلمين وظهر بالصورتين فهو من أهل العلم بالغيب والشهادة وهو بكل شئ عليم ( وصل ) ومن هذا المنزل حكم الاسم الإلهي الوارث وهم حكم عجيب لأنه ينفذ في السماوات وفي الأرض ونفوذه