ابن عربي

691

الفتوحات المكية

الإنسان في نفسه ثم إن الله تعالى جعل له في الجسم الذي جعله الله له ملكا واستوى عليه جعل فيه قوى وآلات حسية ومعنوية وقيل له خذ العلوم منها وصرفها على حد كذا وكذا وجعلت له هذه الآلات على مراتب فالقوى المعنوية كلها قوى كاملة إلا قوة الخيال فإنها خلقت ضعيفة والقوة الحساسة وجعلت هاتان القوتان تابعة للجسم فكلما نما الجسم وكبر وزادت كميته كلما تقوى حسه وخياله إذ كانت جميع القوي لا تأخذ الأشياء إلا من الخيال وهي قوة هيولانية قابلة لجميع ما يعطيها الحس من الصور وقابلة لما تفتح فيها القوة المصورة من الصور التي تركبها من أمور موجودة قد أمسكها الخيال من القوة الحساسة وليس في القوي من يشبه الهيولى في قبول الصور إلا الخيال فإذا تقوى الخيال حينئذ وجد الفكر حيث يتصرف ويظهر سلطانه والوهم كذلك والعقل كذلك والقوة الحافظة كذلك فلم تكن لطيفة الإنسان من حيث ذاتها مدركة لما تعطيها هذه القوي إلا بوساطتها فلو اتفق أن تعطيها هذه القوي المعلومات من أول ما يظهر الولد في عالم الحس قبلها الروح الإنساني قبولا ذاتيا ألا ترى أن الله قد خرق العادة في بعض الناس في ذلك وهو ما ذكر من صبي يوسف حين شهد له بالبراءة وكلام عيسى عليه السلام حين شهد بالبراءة وصبي جريج حين شهد له بالبراءة هذا سبب تأخير التكليف عن الروح الإنساني إلى الحلم الذي هو حد كمال هذه القوي في علم الله فلم يبق عند ذلك عذر للروح الإنساني في التخلف عن النظر والعمل بما كلفه ربه وأول درجات التكليف إذ كان ابن سبع سنين إلى أن يبلغ الحلم وقد اعتبر الله فعل الصبي في غير زمان تكليفه لو قتل لم يقم عليه الحدو حبس إلى أن يبلغ ويقتل بمن قتل في صباه إلا أن يعفو ولي الدم فقد آخذه الله بما لم يعمله في زمان تكليفه والقصد من هذا التمهيد ليقع الأنس بما نورده من عذاب المؤمن فإن الإنسان كما قلنا خلق مؤمنا وإن ألحقناهم بآبائهم في دفنهم في قبورهم معهم ورقهم إذا ملكناهم بطريق الإلحاق لا بطريق الاستحقاق تشريفا وتبيينا لعلو مرتبة ظهور الايمان الذي في الآباء وكما أن الكفر عارض كان الاسترقاق عارضا أيضا والأصل الحرية والايمان فمن إنفاذ الوعيد من حيث لا يشعر به وجود التكليف وهو أول العذاب لقيام الخوف بنفس المكلف فقد عذب عذابا نفسيا مؤلما وهو عقوبة ما جرى منه في الزمان الذي لم يكن فيه مكلفا من الأفعال التي تطرأ بين الصبيان من الأذى والشتم والضرب على طريق التعدي وكل خير يفعله الصبي يكتب له وقد قرر ذلك الشارع حين رفعت امرأة إليه صلى الله عليه وسلم صبيا صغيرا وهو في الحج فقالت له يا رسول الله ألهذا حج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم له حج ولك أجر وذلك أن لها أجر المعونة التي لا يقدر الصبي عليها وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصبي إذا حج قبل بلوع التكليف ثم مات قبل البلوغ كتب الله له ذلك الحج عن فريضته وكذلك العبد إذا حج عبدا ثم مات قبل العتق وهذا الحديث وإن كان قد تكلم فيه من طريق إسناده فإن الحديث الصحيح يعضده وقد ورد في الصحيح أن الله يقول يوم القيامة في حق العبد يأتي بما فرض الله عليه ناقصا قد انتقص منه شيئا أن يكمل له من تطوعه ما نقص من ذلك فقد أقام التطوع مقام الفرض وهو هذا بعينه لأن حج غير المكلف به ليس هو فرض عليه قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى في الحديث الصحيح إنه أول ما ينظر فيه من عمل العبد الصلاة فيقول الله انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه قال صلى الله عليه وسلم ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم أي فيفعل في الزكاة والصوم والحج مثل ما فعل في الصلاة سواء فلو لم يعتبر الشرع ذلك لم يحكم بهذا وكل ما يفعله الصبي في غير بلوع زمان التكليف معتبر في الشرع في الخير وفي الشر غير إن الكرم الإلهي جازاه بالخير المعمول في هذا الزمان في الدار الآخرة وادخر له ذلك وأما الشر فلم يدخر له في الآخرة منه شيئا بل جازاه به في الدنيا من آلام حسية ونفسية تطرأ على الصبيان وهي موجودة لا يقدر أحد على إنكارها وهي عقوبات وعذاب لأمور تطرأ من الصبيان يعرف هذا القدر أهل طريقنا حكمة أوقفهم الحق عليها وهي في حق المؤمنين كما قلنا عذاب أوجب لهم الكفارة وفي حق الكفار إذا أدركوا وماتوا وهم كفار وعوقبوا في الآخرة وقد كانوا عذبوا في الدنيا وهم صغار مثل ما تعذب المؤمنون في حال صغرهم فذلك قوله تعالى زدناهم عذابا فوق العذاب يعني الذي عذبوا به في