ابن عربي
681
الفتوحات المكية
كلا وبعضا وهكذا مناسبات الجزاء كلها لا تختل قال الله عز وجل ومكروا ومكر الله وقال قالوا إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم وقال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون وقال تعالى إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وقال في الجزاء فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ثم بين فقال هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون فعم بالألف واللام ورد الفعل عليهم وقال تعالى نسوا الله فنسيهم ولهذا سمي جزاء وفاقا ولو لم يكن الأمر كذلك لما كان جزاء وقد ورد في المتكبرين أنهم يحشرون كأمثال الذر يطئوهم الناس بأقدامهم صغارا لهم وذلة ولتكبرهم على أوامر الله فالجنة خير لا شر فيها والنار شر لا خير فيها فجميع علم المشرك وعمله وقوله الذي لو كان موحدا جوزي عليه في الجنة بحسبه يعطي ذلك الجزاء للموحد الجاهل بذلك الأمر والعلم المفرط في ذلك العمل التارك لذلك القول والجزاء عليه الذي لو كان مشركا لحصل له في النار يعطي لذلك المشرك الذي لاحظ له في الجنة فإذا رأى المشرك ما كان يستحقه لو كان سعيدا يقول يا رب هذا لي فأين جزاء عملي الذي هذا جزاؤه فإن الأعمال بمكارم الأخلاق والتحريض عليها الذي هو القول يقتضي جزاء حسنا وقع ممن وقع فيقول الله له لما عملت كذا ويذكر له ما عمل من مكارم الأخلاق والقول بها والعمل بمواقعها قد جازيتك على ذلك بما أنعمت به عليك من كذا وكذا فيقرر عليه جميع ما أنعمه عليه جزاء لا نعمة في خلقه المبتدأة التي ليست بجزاء فيزنها المشرك هنالك بما قد كشف الله من علم الموازنة فيقول صدقت فيقول الله له فما نقصتك من جزائك شيئا والشرك قطع بك عن دخول دار الكرامة فتنزل فيها على موازنة هذه الأعمال ولكن أنزل على درجات تلك الأعمال فإن صاحبها منعه التوحيد أن يكون من أهل هذه الدار فهذا هو من الميراث الذي بين أهل الجنة وأهل النار ونذكر الكلام في هذا الفصل في باب الجنة والنار من هذا الكتاب فهذا هو الانتقال الذي بين أهل السعادة وأهل الشقاء فإن المؤمن هنا في عبادة والعبادة تعطيه الخشوع والذلة والكافر في عزة وفرحة فإذا كان في هذا اليوم يخلع عز الكافر وسروره وفرحه على المؤمن ويخلع ذل المؤمن وخشوعه الذي كان لباسه في عبادته في الدنيا على الكافر يوم القيامة قال تعالى خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي فإن هذا النظر هو حال الذليل لا يقدر يرفع رأسه من القهر وذلك الخشوع من الكافر يوم القيامة والذلة والنظر المنكسر الذي لا يرفع بسببه رأسه إنما هو لله تعالى خوفا منه وهذا كان حال المؤمن في الدنيا لخوفه من الله فذلك يوم التغابن حيث يرى الإنسان صفة عزه وسروره وفرحه على غيره ويرى ذل غيره وغمه وحزنه على نفسه فالحكم لله العلي الكبير ويتضمن هذا المنزل من العلوم علم سؤال الحق عباده السعداء عن مراتب الأشقياء بأي اسم يسأل وعلم المناسبات وعلم ما تعطيه الأفكار وعلم الكيفيات وهو على ضربين ضرب منه لا يعرف إلا بالذوق وضرب منه يدرك بالفكر وهو من باب التوسع في الخطاب لا من باب التحقق فإن التحقق بعلم الكيفيات إنما هو ذوق ولقد نبهني الولد العزيز العارف شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمر كان عندي محققا من غير الوجه الذي نبهنا عليه هذا الولد ذكرناه في باب الحروف من هذا الكتاب وهو التجلي في الفعل هل يصح أو لا يصح فوقتا كنت أنفيه بوجه ووقتا كنت أثبته بوجه يقتضيه ويطلبه التكليف إذ كان التكليف بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيم عليم يقول اعمل وافعل لمن يعلم أنه لا يعمل ولا يفعل إذ لا قدرة له عليه وقد ثبت الأمر الإلهي بالعمل للعبد مثل أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واصبروا وصابروا ورابطوا وجاهدوا فلا بد أن يكون له في المنفعل عنه تعلق من حيث الفعل فيه يسمى به فاعلا وعاملا وإذا كان هذا فبهذا القدر من النسبة يقع التجلي فيه فبهذا الطريق كنت أثبته وهو طريق مرضي في غاية الوضوح يدل أن القدرة الحادثة لها نسبة تعلق بما كلفت عمله لا بد من ذلك ورأيت حجة المخالف واهية في غاية من الضعف والاختلال فلما كان يوما فاوضني في هذه المسألة هذا الولد إسماعيل أبو سودكين المذكور فقال لي وأي دليل أقوى على نسبة الفعل إلى العبد وإضافته إليه والتجلي فيه إذ كان من صفته من كون الحق خلق الإنسان على صورته فلو جرد عنه الفعل لما صح أن يكون على صورته ولما قبل التخلق بالأسماء وقد صح عندكم وعند أهل الطريق بلا خلاف إن الإنسان مخلوق على السورة وقد صح التخلق بالأسماء فلم يقدر أحد أن يعرف ما دخل علي من السرور بهذا التنبيه فقد