ابن عربي
671
الفتوحات المكية
خلق أو لم يخلق بل كان المقصود ما ذكرناه مرتبة الوجود ومرتبة المعرفة أن تكمل بوجود العالم وما خلق الله فيه من العلم بالله لما أعطاه التقسيم العقلي فإن وصف العالم بالتعظيم فمن حيث نصب دليلا على معرفة الله وأن به كملت مرتبة الوجود ومرتبة المعرفة والدليل يشرف بشرف مدلوله ولما كان العلم والوجود أمرين يوصف بهما الحق تعالى كان لهما الشرف التام فشرف العالم لدلالته على ما هو شريف فإن قال القائل كان يقع هذا بجوهر فرد يخلقه في العالم إن كان المقصود الدلالة قلنا صدقت وذلك أردنا إلا أن لله تعالى نسبا ووجوها وحقائق لا نهاية لها وإن رجعت إلى عين واحدة فإن النسب لا تتصف بالوجود فيدخلها التناهي فلو كان كما أشرت إليه لكان الكمال للوجود والمعرفة بما يدل عليه ذلك المخلوق الواحد فلا يعرف من الحق إلا ما تعطيه تلك النسبة الخاصة وقد قلنا إن النسب لا تتناهى فخلق الممكنات لا تتناهى فالخلق على الدوام دنيا وآخرة فالمعرفة تحدث على الدوام دنيا وآخرة ولذا أمر بطلب الزيادة من العلم أتراه أمره بطلب الزيادة من العلم بالأكوان لا والله ما أمر إلا بالزيادة من العلم بالله بالنظر فيما يحدثه من الكون فيعطيه ذلك الكون عن أية نسبة إلهية ظهر ولهذا نبه صلى الله عليه وسلم القلوب بقوله في دعائه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك والأسماء نسب إلهية والغيب لا نهاية له فلا بد من الخلق على الدوام والعالم من المخلوقين لا بد أن يكون علمه متناهيا في كل حال أو زمان وأن يكون قابلا في كل نفس لعلم ليس عنده محدث متعلق بالله أو بمخلوق يدل على الله ذلك العلم فافهم فإن قال القائل فالأجناس محصورة بما دل عليه العقل في تقسيمه وكل ما يخلق مما لا يتناهى داخل في هذا التقسيم العقلي إذ هو تقسيم دخل فيه وجود الحق قلنا التقسيم صحيح في العقل وما تعطيه قوته كما أنه لو قسم البصر المبصرات لقسمها بما تعطيه قوته وكذلك السمع وجميع كل قوة تعطي بحسبها ولكن ما يدل ذلك على حصر المخلوقات فإنها قسمت على قدر ما تعطي قوتها وما من قوة تعطي أمرا وتحصر القسمة فيه إلا ويخرج عن قسمتها ما لا تعطيه قوتها فقوة السمع تقسم المسموعات ومتعلقها الكلام والأصوات لا غير فقد خرج عنها المبصرات كلها والمطعومات والمشمومات والملموسات وغيرها وكذلك أيضا العقل لما أعطى بقوته ما أعطى لم يدل ذلك على أنه ما ثم أمور إلهية لا تعطي العلم بتفاصيلها وحقائقها قوة العقل وإن دخلت في تقسيمه من وجه فقد خرجت عنه من وجوه وجائز أن يخلق الله في عبده قوة أخرى تعطي ما لا تعطيه قوة العقل فيرد المحال واجبا والواجب محالا والجائز كذلك فمن جهل ما تقتضيه الحضرة الإلهية من السعة بعدم التكرار في الخلق والتجليات لم يقل مثل هذا القول ولا اعترض بمثل هذا الاعتراض فإن قال لا بد أن يكون ما خلق تحت حكم العقل وداخلا في تقسيمه إما تحت قسمة النفي أو الإثبات قلنا صدقت ما تمنع أن يكون ما يعلم مما كان لا يعلم إما في قسم النفي أو الإثبات ولكن ما يدخل تحت ذلك النفي أو الإثبات هل يعطي ما يعطي النفي من العلم أو يعطي ما يعطي الإثبات من العلم أو يعطي أمرا آخر فإن النفي قد أعطى من العلم بالله ما أعطى من حيث ما هو نفي لا من حيث ما هو تحت دلالته من المنفيات التي لا نهاية لها وإن الإثبات قد أعطى من العلم بالله ما أعطى من حيث ما هو إثبات لا من حيث ما تحت دلالته من المثبتين فإذا الإيجاد مستمر والعلم فينا يحدث بحدوث الإيجاد والمعلوم الذي تعلق به العلم من ذلك الدليل الخاص ليس هو المعلوم الآخر فهو معلوم لله لا للعالم فكملت مرتبة ذلك العلم بوجوده في هذا العالم الكوني وكملت مرتبة الوجود الخاص بهذا الموجود بظهور عينه والذي يعطيه كل موجود من العلم الذوقي لا يعطيه الآخر ولقد يجد الإنسان من نفسه تفرقة ذوقية في أكله تفاحة واحدة في كل عضة يعض منها إلى أن يفرع من أكلها ذوقا لا يجده إلا في تلك العضة خاصة والتفاحة واحدة ويجد فرقانا حسيا في كل أكلة منها وإن لم يقدر يترجم عنها ومن تحقق ما ذكرناه يعلم أن الأمر خارج عن طور كل قوة موجودة كانت تلك القوة عقلا أو غيره فسبحان من تعلق علمه بما لا يتناهى من المعلومات لا إله إلا هو العزيز الحكيم قال تعالى ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وقد بين لك في هذه الآية أن العقل وغيره ما أعطاه الله من العلم إلا ما شاء ولا يحيطون به علما ولذا قال وعنت الوجوه عقيب قوله ولا يحيطون به علما أي إذا عرفوا أنهم لا يحيطون به علما خضعوا وذلوا وطلبوا الزيادة من العلم فيما لا علم لهم به منه والوجوه هنا أعيان الذوات وحقائق الموجودات إذ وجه كل شئ ذاته وكل