ابن عربي

658

الفتوحات المكية

فقد أبان عن مقصوده وهو اللذة وهو ما قلناه وذهبنا إليه وإن لم يكن محققا فما هو من أصل طريقنا بالمعنى وإن ظهر بالصورة فلا كلام لنا معه ومنهم من يعطي للانعام وغير ذلك وليس من هذا المنزل إلا ما ذكرناه خاصة ومن هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه فأمرنا بمحبته لإنعامه وإحسانه وهل يكون منه سبحانه في حق العباد أمر وجودي يخرج عن الإنعام بوجه من الوجوه اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من رأى أن الإنعام فيه عين وجوده ولا يلتفت إلى الأغراض المتعلقة مما يعطيه حكم هذا الموجود المنعم عليه بالوجود فإنه قد أنعم على الألم بوجود عينه وإن كان من يتألم به لا يوافق غرضه فهو نعمة الله على نفسه ولو توقف الأمر على عموم النعمة على الكل بالعين الواحدة ما كان شئ أصلا فإن الحقائق تأبى ذلك فإذا له في كل وجود نعمة فمن كان مقامه الإيثار يصدق في غرضه بزهده إذا قام به حكم الألم أن يشكر الله على ما أنعم به على الألم من وجود عينه بعد أن لم يكن إيثار الجناب الله على غرضه حيث ظهر في الملك من يساعده على تعظيم الله وشكره لأنه يشاهد شكر الألم لله تعالى على إيجاد عينه فأعظم شفيع يكون لمن هذه حاله عند الله الألم من الموجودات والاسم المبلى والمسقم من الإلهيات فيكون نتيجة تلك الشفاعة وجود اللذة ورحلة الألم إما بزوال السبب أو ببقائه فيكون خرق عادة وهذا من أعظم الخلق الذي يشرف به الإنسان وأما إيثاره في هذا لإرادة الله فلا يدري أحد ما يحصل له من اسمه المريد من الخير إلا الله الذي خصه بهذه الحال الشريفة فهذا هو الصدق مع الله في المعاملة وإن قبح فإنه لو نزل ذلك الألم بغيره فلا بد أن تصحبه هذه الحالة وقبيح عليه في حق الغير أن يراه يشكر الله على ما قام بذلك الغير من الألم ولا سيما إن كان محبوبا له أو نبيا أو رسولا وبما ينتجه هذا المقام من وجود العافية في ذلك الغير ستر القبح الذي كان لبسه هذا المحقق وأما من ترك العطاء في مثل هذا الموطن الذي ذكرناه فأنت تعرف مما بيناه لك ما سبب ذلك الترك وما المشهود لهذا التارك في وقت الترك فإنه يندرج علم ذلك كله فيما قررناه فابحث عنه فإنه يطول إن أوردناه وقد أعطيناك المفتاح وعينا لك قفله فافتح ما شئته من ذلك وأما الغني المكتسب في هذا الباب فهو حكمه فإن الإنسان إذا استغنى عن الغير كان دليلا على جهله بالحقائق إذ كان الغير لا أثر له فيه فقد علق غناه بغير متعلق وإن استغنى عن الله تعالى فأجهل وأجهل فإنه خرج بهذا الوصف عن العلم المحقق وعن الإسلام فلا أخسر منه لأنه لا أجهل منه فالاستغناء لا يصح حقيقة فإذا أضيف الغني إلى أحد فهي إضافة عرضية لا ذاتية ولهذا هو الاسم الغني للحق تعالى وصف سلبي سلب عنه الافتقار إلى العالم ومن افتقر إلى شئ لم يستغن عنه البتة فالاستغناء على الحقيقة إنما هو بالأسباب من حيث النسب أي من حيث إنها نسب فكل نسبة أذهبت عنك ضدها فهي الحاكمة عليك وهل تسمى بغني أم لا فلك النظر فيها بحسب ما تعطيك حقيقة تلك النسبة فإن كانت أغنتك عن غيرها فهي غنى وأنت غني بها وإن لم تغنك فما هي غنى ولا أنت غني بها فالشبع مثلا بمجرد حقيقته لا يقال فيه إنك قد استغنيت به عن الجوع من حيث حقيقة الجوع لأن الجوع ليس مطلوبا لك حتى تستغني بالشبع عنه ولكن إن كان الجوع إذا قام بك أعطاك من الصفاء والرقة واللطافة والتحقق بالعبودة والافتقار ما يعطيه حقيقته فأنت طالب له غير مستغن عنه فإن أعطاك الشبع ما أعطاك الجوع من كل ما ذكرناه فقد استغنيت بالشبع عن الجوع إذ الجوع ليس مطلوبا لنفسه وإنما هو مطلوب لما ذكرناه فإذا وجدنا ذلك في ضده فلا حاجة لنا به إذ الطبع يرده كما إن الطبع يوجده ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجوع ويقول إنه يئس الضجيع وذلك لأنه أيضا وإن أعطى ما ذكرناه ولكن لا يقطع أن يكون افتقاره ذلك إلى الله بل قد يكون لغير الله فلذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه إنه بئس الضجيع في العموم فإن شيوخ الطريق يقولون لو بيع الجوع في السوق لزم المريد أن يشتريه ومن نظر منهم إلى ما نظره النبي صلى الله عليه وسلم جعله من أغاليط أهل الطريق كأبي عبد الرحمن السلمي إذ عمل أوراقا فيما غلطت فيه الصوفية وهو مذهبنا وللجوع حد ومقدار وهو الجوع المحقق بخلاف الجوع المتخيل فما وقعت الاستعاذة النبوية إلا من الجوع المحقق فإنه يكون به الإنسان عاصيا للشرع ظالما لنفسه إذا كان اختيارا ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوع قط إلا اضطرارا وهو حال العلماء بالله لأنهم من صفتهم العدل