ابن عربي
641
الفتوحات المكية
بين الله وعبده فإن الله تعالى قال لعبده سبح اسم ربك الأعلى فأمره بتنزيهه فقال له العبد مقالة حال بما نسبحه فقال سبح باسم ربك العظيم أي لا تنزهه إلا بأسمائه لا بشئ من أكوانه وأسماؤه لا تعرف إلا منه عندنا وإن كانت هذه المسألة مسألة خلاف بين علماء الرسوم فإذا لم تعرف أسماؤه إلا منه ولا ينزه إلا بها فكان العبد ناب مناب الحق في الثناء عليه بما أثنى هو على نفسه لا بما أحدثه العبد من نظره وأي شرف أعظم من شرف من ناب مناب الحق في الثناء عليه والمعرفة به فكان الحق استخلف عبده عليه في هذه الرتبة فلو إن المثنى على الله بأسمائه يعرف قدر هذه المنزلة التي أنزله الله فيها لفنى عن وجوده فرحا بما هو عليه ثم لا يخلو العبد في هذا الثناء إما أن يثني على الله بأسماء التنزيه أو بأسماء الأفعال فالمتقدم عندنا من جهة الكشف أن تبتدئ بأسماء التنزيه وبالنظر العقلي بأسماء الأفعال فلا بد من مشاهدة المفعولات فأول مفعول أشاهده الأقرب إلي وهو نفسي فأثنى عليه بأسماء فعله بي وفي وكلما رمت أن أنتقل من نفسي إلى غيري اطلعت على حادث آخر أحدثه في نفسي بطلب يطلب مني الثناء عليه به فلا أزال كذلك أبد الأبد دنيا وآخرة ولا يكون إلا هكذا فانظر ما يبقى علي من منازل الثناء على الله من مشاهدة ما سواي من المخلوقين وهذا المشهد يطلب لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولهذا التتميم قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك وبعد الفراغ مني ومن المخلوقين حينئذ أشرع في الثناء عليه بأسماء التنزيه والفراع من نفسي محال فالوصول إلى مشاهدة الأكوان بالفراغ من الأكوان محال فالوصول إلى أسماء التنزيه محال فإذا رأيت أحدا من العامة أو ممن يدعي المعرفة بالله يثني على الله بأسماء التنزيه على طريق المشاهدة أو بأسماء الأفعال من حيث ما هي متعلقة بغيره فاعلم أنه ما عرف نفسه ولا شاهدها ولا أحس بآثار الحق فيه ومن عمي عن نفسه التي هي أقرب إليه فهو على الحقيقة عن غيره أعمى وأضل سبيلا قال تعالى ومن كان في هذه أعمى يعني في الدنيا وسماها دنيا لأنها أقرب إلينا من الآخرة قال تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا يريد القريبة وهم بالعدوة القصوى يعني البعيدة فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ثم لتعلم أنك من جملة أسمائه بل من أكملها اسما حتى إن بعض الشيوخ وهو أبو يزيد البسطامي سأله بعض الناس عن اسم الله الأعظم فقال أروني الأصغر حتى أريكم الأعظم أسماء الله كلها عظيمة فاصدق وخذ أي اسم إلهي شئت ولقيت الشيخ أبا أحمد بن سيد بون بمرسية وسأله إنسان عن اسم الله الأعظم فرماه بحصاة يشير إليه إنك اسم الله الأعظم وذلك أن الأسماء وضعت للدلالة فقد يمكن فيها الاشتراك وأنت أدل دليل على الله وأكبره فلك إن تسبحه بك فإن قلت وهكذا في جميع الأكوان قلنا نعم إلا إنك أكمل دليل عليه وأعظمه من جميع الأكوان لكونه سبحانه خلقك على صورته وجمع لك بين يديه ولم يقل ذلك عن غيرك من الموجودات فإن قلت فقد وصف نفسه بالعظمة قلنا وقد وصفك بالعظمة وندبك إلى تعظيمه فقال ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب وأنت أعظم الشعائر فيتضمن قوله تعالى فسبح باسم ربك العظيم إن تنزهه بوجودك وبالنظر في ذاتك فتطلع على ما أخفاه فيك من قرة أعين فأنت اسمه العظيم ومن كونك على صورته ثبتت العلاقة بينك وبينه فقال يحبهم ويحبونه والمحبة علاقة بين المحب والمحبوب ولم يجعلها إلا في المؤمنين من عباده ولا خفاء إن الشكل يألف شكله وهو الإنسان الكامل الذي لا يماثل في ليس كمثله شئ ولك حرف لام ألف من الصورة فإنه يلتبس على الناظر أي الفخذين هو اللام وأيهما هو الألف للمشابهة في لا تداخل كل واحد منهما على صاحبه ولهذا كان لام الألف من جملة الحروف وإن كان مركبا من ذاتين موجودتين في العلم غير مفترقتين في الشكل ولهذا وقع الإشكال في أفعالنا ؟ ؟ ؟ لنا أو لله فلا يتخلص في ذلك دليل يعول عليه فالألف لها الأحدية في المرتبة والأول من العدد واللام لها المرتبة الثالثة من أول مراتب العقد والثلاثة هي أول الأفراد فقد ظهر التناسب بين الأحد والفرد من حيث الوترية فهو أول في الأحدية والإنسان الكامل أول في الفردية فاعلم ذلك ولهذا جاء في نشأة الإنسان أنه علقة من العلاقة والعلقية في ثالث مرتبة من أطوار خلقته فهي في الفردية المناسبة له من جهة اللام في مراتب العدد قال تعالى خلقنا الإنسان من سلالة من طين وهذه