ابن عربي
631
الفتوحات المكية
لو مشيت إلى بيتك قبل أن تأتيني ومت مت خائنا فالعاقل من لا يعد ولا يحمل أمانة وحكم الأمانة إنما هي لمن توصل إليه لا لمن يحملك إياها قال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولا شك ولا خفاء أنه في طبع كل شئ القلق مما يثقل عليه حتى يخرجه عنه لكونه ليس له ما ثقل عليه وإنما هو أمر زائد فإذا كان ذلك الأمر له زال ذلك الثقل وفرح به حيث صار ملكه وظهرت له سيادته عليه ألا ترى أن الإنسان إذا أودعت عنده مالا كيف يجد ثقله عليه ويتكلف حفظه وصيانته فإذا قال له رب المال قد وهبته لك وأخرجته عن ملكي وخرجت عنه كيف يرجع حمل ذلك المال عنده خفيفا ويسر به سرورا عظيما ويعظم قدر ذلك الواهب في نفسه كذلك العبد أوصاف الحق عنده أمانة لا يزال العارف بكونها أمانة عنده تثقل عليه بمراقبته كيف يتصرف بها وأين يصرفها ويخاف أن يتصرف فيها تصرف الملاك فإذا ثقل عليه ذلك ردها إلى صاحبها وبقي ملتذا خفيفا بعبوديته التي هي ملك له بل هي حقيقته إذ الزائد عليه قد زال عنه وحصل له الثناء الإلهي بأداء أمانته سالمة فقد أفلح من لم يتعد قدره كما يقال في المثل ما هلك امرؤ عرف قدره ومن هذا المنزل يعلم متعلق الاستفهام حيث كان وذلك أن الاستفهام لا يكون إلا مع عدم العلم في نفس الأمر أو مع إظهار عدم العلم لتقرير المستفهم من استفهمه على ما استفهمه مع علم المستفهم بذلك فيقول المستفهم أي شئ عندك ومالك ضربت فلانا فعلة الاستفهام عن الأمور عدم العلم والباعث على الاستفهام يختلف باختلاف المستفهم فإن كان عالما بما استفهم عنه فالمقصود به إعلام الغير حيث ظنوا وقالوا خلاف ما هو الأمر عليه مثل قوله تعالى لعيسى عليه السلام أنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله بحضور من نسب إليه ذلك من العابدين له من النصارى فتبرأ عيسى بحضورهم من هذه النسبة فيقول سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق فكان المقصود توبيخ من عبده من أمته وجعله إلها فقد وقع في الصورة صورة الاستفهام وهو في الحقيقة توبيخ ومثل هذا في صناعة العربية إذا أعربوه في الاصطلاح يعربونه همزة تقرير وإنكار لا استفهام وإن قالوا فيه همزة استفهام والمراد به الإنكار فلهم في إعراب مثل هذا طريقتان فينبغي للعبد أن لا يظهر بصفة تؤديه إلى أن يستفهم عنه فيها ربه لما تعطيه رائحة الاستفهام في المستفهم من نفي العلم وذلك الجناب مقدس منزه عن هذا فاحذر من هذا المقام ولا تعصم من مثل هذا إلا بأن تكون عبوديتك حاكمة عليك ظاهرة فيك على كل حال فإن استفهمك الحق عن شئ فيكون ذلك ابتداء منه لا سبب لك فيه وهو سبحانه لا يحكم عليه شئ فإنه إن شاء استفهم وإن شاء لم يستفهم مع نسبة العلم إليه تعالى فيما يستفهم عنه لا بد من ذلك وللاستفهام أدوات مثل ما وأي والهمزة فيخص هذا المنزل من الأدوات بما خاصة دون من وغيرها من الأدوات ليس لغيرها من أدوات الاستفهام في هذا المنزل دخول وما وقفت إلى الآن على سبب اختصاص هذا المنزل بها دون غيرها وهي في الحكم فيمن تدخل عليه حكم من والهمزة فإنها تدخل على الأسماء والأفعال والحروف وما ثم إلا هذه الثلاث مراتب فعمت فكان لهذا المنزل عموم الاستفهام ولا يصح أن يظهر في هذا المنزل على هذه الحالة إلا أداة ما لأن معانيه تطلبها وقد يستفهم بالإشارة ومن هذا المنزل إفشاء الأسرار وخفي الغيوب لطلب المواطن لها فيعلم الإنسان من هذا المنزل المواطن التي ينبغي أن يبدي فيها مما عنده من الغيوب ويعرف أن موطن الدنيا لا يقتضي ذلك ولهذا لم يظهر من ذلك على الملامية شئ وأعني بالغيوب هنا كل غيب لا يطلبه الموطن وأما الغيوب التي يطلبها كل موطن فلا بد أن يخرج غيب كل موطن في موطنه إلى الشهادة وهذا حال الملامية إلا أن يقترن بإبراز ذلك أمر إلهي ولا يقترن به أمر قط إلا أن يطلبه حال ما من الأحوال وأما من غير حال تطلبه فلا ولهذا جهل الناس مقادير أهل الله تعالى عند الله وبهذا سموا أمناء فإذا اقتضى الموطن إبراز غيبه فالعارف أول من يبادر إلى ذلك ويسارع فيه وإن لم يفعل كان غاشا خائنا لا يصلح لشئ فإن سبق بإظهاره غيره تعين عليه ذلك الوقت إخفاؤه وأن لا يطلع أحد من الخلق على ما عنده فيه إذ قد ناب غيره فيه منابه فلم يبق لهذا العارف في إظهار ذلك منه إلا حظ نفس لا غير وهذا ليس من شأن خصائص الحق وأهله فإن جاءه وحي من الله بذلك مع أنه قد ظهر على يد غيره فليبادر لأمر الله فيه وليظهره ويكون فيه كالمؤيد للأول واعلم أنه ما من جنس من أجناس المخلوقين إلا وقد أوحي