ابن عربي
621
الفتوحات المكية
صورتك ما تغيرت لا في جوهرك ولا في صورتك إلا أنه لا بد أن تحضر تلك الصورة التي تريد أن تظهر للرائي فيها في خيالك فيدركها بصر الرائي في خيالك كما تخيلتها ويحجبه ذلك النظر في الوقت عن إدراك صورتك المعهودة هذا طريق وطريقة أخرى يتضمنها هذا المنزل وذلك أن الصورة التي أنت عليها عرض في جوهرك فيزيل الله ذلك العرض ويلبسك ما أردت أن تظهر به من صور الأعراض من حية أو أسد أو شخص آخر إنساني وجوهرك باق وروحك المدبر جوهرك على ما هو عليه من العقل وجميع القوي فالصورة صورة حيوان أو نبات أو جماد والعقل عقل إنسان وهو متمكن من النطق والكلام فإن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم بأي لسان شاء الحق أن ينطقه به فحكمه حكم عين الصورة في المعهود ومن هذا الباب يعرف نطق الجمادات والنبات والحيوان وهي على صورها وتسمعها كنطق الإنسان كما إن الروح إذا تجسد في صورة البشر تكلم بكلام البشر لحكم الصورة عليه وليس في قوة الروحاني أن يتكلم بكلام غير الصورة التي يظهر فيها بخلاف الإنسان وهو في غير صورة الإنسان وهذا منزل الممسوخ من هذه الحضرة تمسخ الصورة الحسية في الدنيا والآخرة ومن هذا المنزل تمسخ البواطن فترى الصورة أناسا وفي الباطن غير تلك الصورة من ملك أو شيطان بصورة حيوان مناسب لما هو باطنه عليه من كلب أو خنزير أو قرد أو أسد وكل ذلك يخالف ما تطلبه إنسانيته إما عال وإما دون ومسلخ البواطن قد كثر في هذا الزمان كما ظهر المسخ في الصورة الظاهرة في بني إسرائيل حين جعلهم الله قردة وخنازير ولا بد في آخر الزمان أن يظهر المسخ في هذه الأمة ولكن في اليهود منها لا في المسلمين فإن الايمان يحفظهم فما يمسخ من هذه الأمة إلا يهودي أو منافق يظهر الإسلام ويخفى اليهودية وإنما ألحقنا اليهود بهذه الأمة لأن أمة النبي ليست قبيلته وإنما أمته جميع من بعث إليهم ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس عامة فجميع الناس أمته من جميع الملل فمنهم من آمن ومنهم من كفر ومنهم من أسلم وأما دخول الجن في دينه صلى الله عليه وسلم فكان دخولهم في دينه مثل ما كان دخول من لم يبعث إليه نبي في وقته في دين نبي وقته ثم إن ذلك النبي الذي ما بعث إليه إذا لم يكن ذلك الداخل ممن بعث إليه نبي آخر تجري أحكامه على من بعث إليه بما بعث به فإن لكل نبي شرعة ومنهاجا فهكذا كان إيمان الجن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما ذكرناه من مسخ البواطن فقول النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ربه في صفة قوم من أمته أنهم إخوان العلانية أعداء السريرة ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب يلبسون للناس جلود الضأن من اللين فهذا هو مسخ البواطن أن يكون قلبه قلب ذئب وصورته صورة إنسان فالله العاصم من هذه القواصم وطريقة أخرى في التحول في الصورة وهي أن تبقي صورة هذا الشخص على ما كانت عليه ويلبس نفسه صورة روحاني يجد ذلك الروحاني في أي صورة شاء هذا الشخص أن يظهر للرائي فيها ويغيب هذا الشخص في تلك الصورة وهي عليه كالهواء الحاف به فتقع عين الرائي على تلك الصورة الأسدية أو الكلبية أو القردية أو ما كانت كل ذلك بتقدير العزيز العليم وطريقة أخرى وهي أن يشكل الهواء الحاف به على أي صورة شاء ويكون الشخص باطن تلك الصورة فيقع الإدراك على تلك الصورة الهوائية المشكلة في الصورة التي أراد أن يظهر فيها ولكن إن وقع من تلك الصورة نطق فلا يقع إلا بلسانه المعروف عند الرائي فيسمع النعمة فيعرفها ويرى الصورة فينكرها لا يتمكن لمن هذه حالته أن يزول عن نغمته وهذه قوة الجن لمن يعرفهم فإنهم يظهرون فيما شاؤه من الصور والنغمة منهم نغمة جن لا يقدرون على أكثر من ذلك ومن لا معرفة له بهذا القدر فلا معرفة له بالجن إلا إن ثم أقواما تلعب الجن بعقولهم فتخيل لهم في عيونهم صورا مثل ما يخيل الساحر الحبال في صورة حيات ساعية فيحسبون أنهم يرون الجن وليسوا بجن وتكلمهم تلك الصور فيما يخيل إليهم وليست الصور بمتكلمة بخلاف تجسد الجن في أنفسهم فمن عرف من العارفين نغمات كل طائفة عرف ما رأى ولم يطرأ عليه تلبيس فيما رآه وقد رأينا جماعة بالأندلس ممن يرون الجن من غير تشكل وفي تشكلهم منهم فاطمة بنت ابن المثنى من أهل قرطبة وكانت عارفة بهم من غير تلبيس ورأيت طائفة بمدينة فاس ممن كانت الجن تخيل لهم صورا في أعينهم وتخاطبهم بما شاءوا لتفتنهم وليسوا بجن ولا بشكل جن منهم أبو العباس الزقاق بمدينة فاس وكان قد لبس عليه الأمر في ذلك فكان يخيل إليه أن الأرواح الجنية تخاطبه