ابن عربي

611

الفتوحات المكية

بنت محمد انظري لنفسك لا أغنى عنك من الله شيئا وقال مثل هذه المقالة لجميع الأقربين وكان عمه أبو لهب حاضرا فنفخ في يده وقال ما حصل بأيدينا مما قاله شئ وصدق أبو لهب فإنه ما نفعه الله بإنذاره ولا أدخل قلبه منه شيئا لما أراد به من الشقاء فأنزل الله فيه تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب فإنه كان معتمدا على ماله فمن اعتمد على غير الله في أموره خسر والقائلون بالأسباب إذا اعتمدوا عليها وتركوا الاعتماد على الله لحقوا بالأخسرين أعمالا وإذا أثبتوا الأسباب واعتمدوا على الله ولم يتعدوا فيها منزلتها التي أنزلها الله فيها فأولئك الأكابر من رجال الله الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأثبت لهم الحق الرجولة في هذا الموطن ومن شهد له الحق بأمر فهو على حق في دعواه إذا ادعاه ومن أثبت الأسباب بإثبات الحق وركن إليها ركون الطبع واضطرب عند فقدها في نفس الاعتماد على الله فذلك من متوسط الرجال وإذا وقع الاضطراب في النفس فإن أحس بالفقد واضطرب المزاج فذلك من خصائص الرجال الأكابر وإن لم يضطرب المزاج ولم يحس بالفقد فذلك حال الاعتماد على الله وهو مقام المتوسطين أصحاب الأحوال ومن هذا المنزل قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة لما وقف بين يديه رجل ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد قتله فلما قضى حاجته منه وانصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم لم لم تقتلوه حين وقف بين يدي فقال له أصحابه هلا أومأت إلينا بطرفك فقال صلى الله عليه وسلم ما كان لنبي أن تكون له خائنة عين وهي حالة لا يسلم منها وغاية إن يسلم منها من سلم في الشر وأما في الخير فإنهم ربما اتخذوها في الخير طريقا محمودة فيؤمي الكبير في حق الحاضر إلى بعض من يمتثل أمره أن يجئ إليه بخلعة أو بمال يهبه لذلك الحاضر يكون ذلك إيماء بالعين لا تصريحا باللفظ من غير شعور من يومى في حقه بذلك الخير ولا يقع مثل هذا وإن كان خيرا من نبي وسببه أن لا تعتاده النفس فربما تستعمله في الشر لاستصحابها إياه في الخير إذ كانت النفس من طبعها أن تسترقها العادة وإنما سميت خائنة عين لأن الإفصاح عما في النفس إنما هو لصفة الكلام ليس هو من صفة العين وإن كان في قوة العين الإفصاح بما في النفس بالإشارة ولكن إنما لها النظر والذي عندها من صفة الكلام إنما هو أمانة بيدها للكلام فإذا تصرفت في تلك الأمانة بالإيماء والإشارة لمن تومئ إليه في أمر ما فقد خانت الكلام فيما أمنها عليه من ذلك فلهذا سميت خائنة الأعين فوصفت بالخيانة والخيانة التصرف في الأمانة فإن الأمانة ليست بملك لك وإنك مأمور بأدائها إلى أهلها فإذا اقتضى المنزل الأمر بخير وشر في حق شخص وفي قوة العين الإفصاح عن ذلك لمن يشير إليه به فعلمت إن ذلك صفة للكلام فلم تفعل وردت تلك الأمانة إلى اللسان فنطق فقد أدت هذه العين الأمانة إلى أهلها ولم تخن فيها قال تعالى يعلم خائنة الأعين أي يعلم أنها خيانة وكيف هي خيانة ولم يقل يعلم ما أشارت به الأعين وما أومأت فإن المشار إليه يعلم ذلك فلا يكون مدحا ولكن لا يعلم كل أحد أنها خيانة إلا من أعلمه الله بذلك وقد أعلمنا بها فعلمناها فهي في الخير خيانة محمودة وفي الشر خيانة مذمومة وما زالت عن كونها خيانة في الحالين وبعد أن بينا لك هذا الأمر فتحفظ منها ما استطعت أن تفعلها مع الحضور فإنك لست بمعصوم فاستعمل الحضور عسى تفوز بهذا المقام فإن قلت قد أشارت من شهد لها بالكمال ومنعت من الكلام وهي مريم إلى عيسى إن يسألوه عن شأنه قلنا بعد ذلك نالت الكمال لا في ذلك الوقت ألا ترى زكريا قيل له آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا والرمز ما يقع بالإشارة فإن الإشارة صريحة في الأمر المطلوب بل هي أقوى في التعريف من التلفظ باسم المشار إليه في مواطن يحتاج المتكلم فيها إلى قرينة حال حتى لو قال شخص لآخر كلم زيدا بكذا وكذا وزيد حاضر احتمل أن يفهم عنه السامع زيدا آخر غير هذا والمتكلم إنما أراد الحاضر فإذا ترك التلفظ باسمه وأشار إليه بيده أو بعينه فقال كلم هذا مشيرا إليه كان أفصح وأبعد من الإبهام والنكر والحرف إنما هو لفظ مجمل يحتمل التوجيه فيه إلى أمور مثل ما رمز الشاعر في التعريف بالنار من غير إن يسميها فقال وطائرة تطير بلا جناح * وتأكل في المساء وفي الصباح وتمشي في الغصون لها صياح * وهز في الحسام لدى الكفاح تفر الأسد منها في الفيافي * وتغلب للصوارم والرماح