ابن عربي
531
الفتوحات المكية
وعدم الإهمال فإن لم يقصد انتهاك الحرمة بقوة ما هو عليه من حكم اسم إلهي فليس بممكور به مثل عصاة العامة عن غفلة وندامة بعد وقوع مخالفة فالصبر على إرداف النعم لما في طيها من المكر الإلهي أعظم من الصبر على الرزايا والبلايا فإن الله يقول لعبده مرضت فلم تعدني ثم قال في تفسير ذلك أما إن فلانا مرض فلم تعده فلو عدته لوجدتني عنده كما يجده الظمآن المضطر عندما يسفر له السراب عن عدم الماء فيرجع إلى الله بخلاف النعم فإنها أعظم حجاب عن الله إلا من وفقه الله وأما مكر الله بالخاصة فهو مستور في إبقاء الحال عليه مع سوء الأدب الواقع منه وهو التلذذ بالحال والوقوف معه وما يورث من الإدلال فيمن قام به والهجوم على الله وعدم طلب الانتقال منه وما قال الله لنبيه وقل رب زدني علما وما أسمعنا ذلك إلا تنبيها لنقول ذلك ونطلبه من الله ولو كان خصوصا بالنبي لم يسمعنا أو كان يذكر أنه خاص به كما قال في نكاح الهبة فللحال لذة وحلاوة في النفس يعسر على بعض النفوس طلب الانتقال من الأمر الذي أورثه ذلك الحال بل لا يطلب المزيد إلا منه وجهل أن الأحوال مواهب وأما المكر الذي في خصوص الخصوص وهو في إظهار الآيات وخرق العوائد من غير أمر ولا حد الذي هو ميزانها فإنه لما وجب على الأولياء سترها كما وجب في الرسل إظهارها إذ أمكن الولي منها وأعطى عين التحكيم في العالم يطلب الممكور به لنقص حظ عن درجة غيره يريد الحق ذلك به وجعل فيهم طلبا لطريق إظهارها من حيث لا يشعر أن ذلك مكر إلهي يؤدي إلى نقص حظ فوقع الإلهام في النفس بما في إظهار الآيات على أيديهم من انقياد الخلق إلى الله عز وجل وإنقاذ الغرقي من بحار الذنوب المهلكة وأخذهم عن المألوفات وإن ذلك من أكبر ما يدعى به إلى الله ولهذا كان من نعت الأنبياء والرسل ويرى في نفسه أنه من الورثة وأن هذا من ورث الأحوال فيحجبهم ذلك عما أوجب الله على الأولياء من ستر هذه الآيات مع قوتهم عليها وغيبهم عن ما أوجب الله على الرسل من إظهارها لكونهم مأمورين بالدعاء إلى الله ابتداء والولي ليس كذلك إنما يدعو إلى الله بحكاية دعوة الرسول ولسانه لا بلسان يحدثه كما يحدث لرسول آخر والشرع مقرر من عند العلماء به فالرسول على بصيرة في الدعاء إلى الله بما أعلمه الله من الأحكام المشروعة والولي على بصيرة في الدعاء إلى الله بحكم الاتباع لا بحكم التشريع فلا يحتاج إلى آية ولا بينة فإنه لو قال ما يخالف حكم الرسول لم يتبع في ذلك ولا كان على بصيرة فلا فائدة لإظهار الآية بخلاف الرسول فإنه ينشئ التشريع وينسخ بعض شرع مقرر على يد غيره من الرسل فلا بد من إظهار آية وعلامة تكون دليلا على صدقه إنه يخبر عن الله إزالة ما قرره الله حكما على لسان رسول آخر أعلاما بانتهاء مدة الحكم في تلك المسألة فيكون الولي مع خصوصيته قد ترك واجبا فنقصه من مرتبته ما يعطيه الوقوف مع ذلك الواجب والعمل به فلا شئ أضر بالعبد من التأويل في الأشياء فالله يجعلنا على بصيرة من أمرنا ولا يتعدى بنا ما يقتضيه مقامنا والذي أسأل الله تعالى أن يرزقنا أعلى مقام عنده يكون لأعلى ولي فإن باب الرسالة والنبوة مغلق وينبغي للعالم أنه لا يسأل في المحال وبعد الأخبار الإلهي يغلق هذا الباب فلا ينبغي أن نسأل فيه فإن السائل فيه يضرب في حديد بارد إذ لا يصدر هذا السؤال من مؤمن أصلا قد عرف هذا ويكفي الولي من الله أن جعله على بصيرة في الدعاء إلى الله تعالى من حيث ما يقتضيه مقام الولاية والاتباع كما جعل الرسول يدعو إلى الله على بصيرة من حيث ما يقتضيه مقام الرسالة والتشريع ويعصمنا من مكره ولا يجعلنا من أهل النقص ويرزقنا المزيد والترقي دنيا وآخرة والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ( الباب الثاني والثلاثون ومائتان في مقام الاصطلام ) للاصطلام على القلوب تحكم * وله على كل النعوت تقدم يعطي التحير في العقول وجوده * وهو السبيل من الإله الأقوم من قال زدني فيك تحيرا * ذاك المؤمل والنبي الأعلم لولاه ما عرف الإله ولا درت * الباب أهل الله أين هم هم الاصطلام في اصطلاح القوم وله يرد على القلب سلطانه قوي فيسكن من قام به تحته وهو أن العبد إذا تجلى له الحق في