ابن عربي
511
الفتوحات المكية
اعلم وفقك الله أن البسط عند الطائفة عبارة عن حال الرجاء في الوقت وقال بعضهم القبض والبسط أخذ وارد الوقت بحكم قهر وغلبة والبسط عندنا حال حكم صاحبه أن يسع الأشياء ولا يسعه شئ حقيقة البسط لا تكون إلا لرفيع المنزلة رفيع الدرجات فينزل بالحال إلى حال من هو في أدنى الدرجات فيساويه وهو في الجناب الإلهي في مثل قوله تعالى وأقرضوا الله قرضا حسنا وأعظم في النزول من ذا الذي يقرض الله ولأجل هذا البسط قال من قال إن الله فقير ونحن أغنياء وهذا القول تصديق قوله تعالى ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ومن البسط الإلهي قوله تعالى ينشر رحمته وهو الولي الحميد ولولا البسيط الإلهي ما تمكن لأحد من خلق الله أن يتخلق بجميع الأسماء الإلهية وأعظم تعريف في البسط الإلهي إن ربك واسع المغفرة ويا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله فلما تمكن مثل هذا البسط في قلوب العباد ربما أثر في قلوبهم بغيا فتعدوا منزلتهم فلما علم الحق أنه ربما أثر ذلك مرضا في قلوب بعض العباد جعل دواءه تمام الآية وهو قوله والله هو الغني الحميد فأنزل الداء والدواء وهذا من نشر رحمته لأن الأدنى في مرتبة تقتضي أن لا يكون صاحب بسط فإن انبسط فليس له إلا أن يجول في غير ميدانه فيكون البسط من الأدنى سوء أدب ولما علم الحق هذا أمر عباده بالتخلق بمكارم الأخلاق وأثنى عليهم بها وجعل ذلك من أعظم أعمال العباد فظهروا بها عن الأمر الإلهي فكان بسطهم عبادة وقربة إلى الله وهذا من نشر رحمته واتساع مغفرته وعموم تفضله فبسط العباد بسط عن قبض وبسط الحق لا عن قبض بل له البسط ابتداء ثم بعد ذلك يكون القبض الإلهي وهو قوله صلى الله عليه وسلم إن رحمة الله سبقت غضبه فمن رحمته وبسطة أوجد الخلق ولا يكون حكم القبض والبسط إلا مع ثبوت الأغيار ولولا الأغيار لم يتحقق بسط ولا قبض فتحقق ذلك واعلم أن أعظم بسط العبد أن يكون خلاقا فإن تأدب في هذا البسط فهو المذكور الداخل في عموم قوله تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين فأضاف الحسن إلى الخالقين غير إن الله أحسن الخالقين إذ كان هذا النعت من خصوص وصف الإله لأنه قال تعالى في الرد على عبدة الأوثان أفمن يخلق كمن لا يخلق فنفى الخلق عن الخلق فلو لم يرد عموم نفي الخلق عن الخلق لم تقم به حجة على من عبد فرعون وأمثاله ممن أمر من المخلوقين أن يعبد من دون الله ولم يكن هؤلاء ممن يدخل في عموم الخالقين من قوله أحسن الخالقين فإنهم لم يتصفوا بالإحسان في الخلق فإن الإحسان في العباد أن تعبد الله كأنك تراه فتعلم من هو الخالق على الحقيقة فلما كان هذا النعت من خصوص وصف الإله وقد أضاف الخلق إلى الخلق انفرد هو بالنظر إلى ما أثبت من الخلق للخلق بالأحسن في ذلك فقال أحسن الخالقين وهو معنى قوله تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين والبركة الزيادة فزاد أحسن في قوله أحسن الخالقين وما أحسن قوله تعالى أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ولم يقل أأنتم تخلقون منه ولا فيه وإنما قال تخلقونه فأراد عين إيجاده منيا خاصة والاسم المصور هو الذي يتولى فتح الصورة فيه أي صورة شاء من الجنس أو غيره وهو قوله في أي صورة ما شاء ركبك فهو الاسم المصور وهنا أسرار من علوم الطبيعة لما جعل الله فيها من الاشتراك في التكوين فهل هي سبب من جملة الأسباب التي تفعل لعينها بذاتها فيكون الحق يفعل بها لا عندها أو تكون من الأسباب التي يفعل الحق مسببها عندها لا بها ويتفاوت هنا نظر النظار وأما أهل الكشف فيعلمون ذلك ابتداء عند الكشف من غير نظر لعلمهم بمرتبة الطبيعة وأن منزلتها منزلة جميع الحقائق والحقائق لا تتبدل فيجرونها مجراها وينزلونها منزلتها فبسط العلماء بالله هو عين العلم بالله فإذا علموا علموا من انبسط ومن له البسط وعلموا من انقبض ومن له القبض فيبقى عندهم كل أمر على أصله وحقيقته لا تبديل عندهم في ذلك ولا تحويل لأنهم على سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا فأهل سنة الله لهم البسط المحقق لأن البسط نشر والنشر ظهور ولولا الظهور ما أدركت الأشياء فبسط العارفين على يقين * وبسط الخلق تخمين وحدس إذا خشعت الأصوات للرحمن فكيف يكون الحال مع الجبار خشوع حياء لا خشوع مهانة * وهيبة إجلال وقبض تأدب